خاص ( البعد الرابع) غرفة الأخبار
كتب / بشير الهدياني ✒️
الفوضى الإعلامية التي نشهدها اليوم تعكس بوضوح حالة الفوضى السياسية التي نعيشها، والتي تشهدها أيضاً بلدان أخرى، حيث تتداخل المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، وتتحول الخلافات والصراعات الداخلية إلى جزء من مشهد سياسي أوسع، تُدار بعض مساراته وفق حسابات وخطط تتجاوز حدود تلك البلدان وإرادة شعوبها.
ومن المعروف أن القوى الدولية الكبرى طوّرت أساليبها في فرض النفوذ والسيطرة على البلدان. فبعد أن كانت المواجهة العسكرية والاحتلال المباشر من أبرز وسائل تحقيق مصالحها، أصبحت تعتمد على أدوات أخرى تقوم على استثمار الخلافات السياسية والاجتماعية داخل المجتمعات، وتغذية التباينات، وتأليب الأطراف بعضها على بعض، بما يتيح لها التأثير في مسارات الصراع الداخلي وتوجيهه نحو تحقيق أهدافها ومصالحها، دون الحاجة بالضرورة إلى التدخل العسكري المباشر.
وتبدأ هذه الأساليب بفهم طبيعة المجتمعات ومعرفة ما تعانيه من خلافات وانقسامات سياسية واجتماعية، ثم العمل على استغلال هذه الخلافات وتوسيع فجواتها، وتأجيج الصراعات بين مكوناتها، بما يؤدي إلى إضعاف الدولة واستنزاف المجتمع، وتهيئة الظروف التي تسمح للقوى الخارجية بالتدخل والتأثير في قراراته ومسار الأحداث داخله.
وفي هذا الإطار، تعمل القوى الدولية على توظيف علاقاتها ونفوذها داخل تلك البلدان، من خلال الاستعانة بشخصيات سياسية وقوى محلية تمتلك مصالح مرتبطة باستمرار حضورها في المشهد، وتدفع بها إلى مواقع التأثير والقرار، مع تقديمها للرأي العام باعتبارها أطرافاً قادرة على معالجة الأزمات وإيجاد الحلول. وبهذا تتداخل المصالح الخارجية مع حسابات القوى المحلية، ويصبح لبعض هذه الشخصيات دور في توجيه المشهد الداخلي بما يخدم التفاهمات والمصالح التي تقف خلفها.
وفي خضم هذه التحركات، يأتي دور الإعلام بوصفه إحدى الأدوات الأساسية في توجيه المشهد وصناعة ملامحه. إذ يجري العمل على التأثير في الرأي العام، وتشكيل قناعاته تجاه الأحداث والشخصيات والقوى السياسية، من خلال خطاب إعلامي يجري توظيفه لخدمة حسابات محددة.
وتبرز هنا إحدى أخطر وسائل توظيف الإعلام في خدمة هذه المخططات، من خلال استخدام الخطاب الإعلامي للتأثير في اتجاهات المجتمع، وإعادة صياغة نظرته إلى الأحداث والقضايا السياسية، وتوجيه اهتمامه نحو قضايا وشخصيات ومواقف بعينها، مع التركيز على إبراز جوانب وتغييب أخرى، وتقديم روايات ومعالجات تتوافق مع الأهداف المراد تحقيقها. وبهذا يصبح الخطاب الإعلامي وسيلة لتهيئة الرأي العام، وصناعة قناعات تخدم المسارات السياسية المرسومة، وتمنحها قبولاً مجتمعياً، حتى وإن كانت نتائجها تتعارض مع مصالح المجتمع وتطلعاته.
وهنا تصبح صناعة الواجهات السياسية جزءاً من صناعة المشهد الإعلامي، ويغدو الترويج للشخصيات والخيارات السياسية وسيلة للتأثير في اتجاهات المجتمع وتحديد ما ينبغي أن يقبله أو يرفضه. ومع مرور الوقت، تتشكل قناعات عامة وفق ما يتكرر تداوله وتسويقه، وتُدفع بعض المجتمعات إلى تبني خيارات لم تكن بالضرورة نابعة من إرادتها أو تعبيراً عن مصالحها الحقيقية.
ومن هنا يمكن فهم جانب من حالة التخبط الإعلامي التي تعيشها بعض المجتمعات العربية؛ حيث تتعدد المنابر والوجوه والخطابات، وتختلط الحقائق بالدعاية، وتُفتعل الخصومات وتُدار المعارك الإعلامية وفق حسابات سياسية، فيما يبقى المواطن وسط هذا الكم من التناقضات، محاصراً بخطابات متضاربة، يصعب معها التمييز بين المواقف الحقيقية وتلك التي يجري توجيهها لخدمة مصالح وأجندات معينة.
والأكثر خطورة أن دس الأفكار وتوجيه الوعي قد يتغلغل إلى أعماق المجتمع، فيؤثر في طريقة فهمه للأحداث، وفي نظرته إلى قضاياه ومشكلاته، بل وفي تحديد خياراته السياسية ومستقبله. وعندما يصل التأثير إلى هذه المرحلة، يصبح المجتمع نفسه ساحة للصراع، وتتحول قناعات أفراده إلى إحدى الوسائل التي يمكن من خلالها تمرير المشاريع وإدامة النفوذ.
الحقيقة إن السيطرة على المجتمعات لم تعد مرتبطة دائماً بالوجود العسكري المباشر أو فرض الاحتلال بالقوة؛ فقد تتحقق عبر التحكم في مسارات الصراع الداخلي، وصناعة النخب والواجهات، والتأثير في مراكز القرار، وتوجيه الإعلام بما يخدم المصالح المراد تحقيقها. وعندما تتكامل هذه الأدوات، يصبح من الممكن إدارة بلد من خلال أزماته وانقساماته، وتوجيه مساره من خلال قوى وشخصيات موجودة في صلب المشهد السياسي.
وهنا تكمن خطورة ما نشهده اليوم؛ فحين تُهندس الصراعات السياسية، وتُصنع الواجهات، ويُوجَّه الإعلام لتشكيل وعي المجتمع، يصبح الصراع الحقيقي على إرادة الشعوب وقدرتها على إدراك ما يُحاك حولها، والتمييز بين من يعمل لمصالحها ومن يوظف أزماتها لتحقيق مصالح الآخرين. وحتى عندما يتمكن المجتمع من إدراك حقيقة ما يجري وكشف أبعاد تلك المخططات، فإن هناك وسائل وأدوات أخرى يجري توظيفها للحيلولة دون وصوله إلى ما يسعى إليه، وإبقاء الطريق أمام إرادته وتطلعاته محفوفاً بالعراقيل والتعقيدات.