لم يعد حصار تعز قضية تحتاج إلى مزيد من بيانات التضامن والتنديد والاستنكار، ولا إلى مناشدات جديدة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي؛ فقد استُهلكت البيانات، وتكررت المناشدات، فيما ظل الحصار قائماً، وبقيت تعز تدفع ثمن العجز السياسي والجمود العسكري.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن التعويل على البيانات الدبلوماسية والقرارات الأممية وحدها لم ينجح في فك الحصار أو انتزاع استجابة عملية من جماعة الحوثي. فبينما تتوالى التصريحات والإدانات، تستمر معاناة المواطنين، وكأن مأساة تعز تحولت إلى ملف موسمي يُستحضر في المناسبات السياسية ثم يُترك للنسيان.
إن السؤال الذي لم يعد ممكناً الهروب منه هو: ماذا فعلت قيادة الشرعية طوال سنوات الحصار؟ وكم من البيانات والمناشدات يجب أن تصدر قبل أن تدرك أن تعز لا تحتاج إلى من يرثي معاناتها، بل إلى من يتحمل مسؤولية إنهائها؟
إن فك الحصار يبدأ من قرار سياسي شجاع، وإرادة وطنية حقيقية، وخروج قيادة الشرعية من دائرة الانتظار والتبرير. كما يتطلب إنهاء حالة الشلل التي أصابت جبهات المواجهة، ووضع استراتيجية وطنية متكاملة لإعادة ترتيب الأولويات وتنسيق الجهود العسكرية وتحريك كافة جبهات الجمهورية، بدلاً من ترك تعز تواجه الحصار في ظل جمود الجبهات وتشتت القرار.
ولم يعد مقبولاً أن تبقى تعز معزولة، فيما تمتلك الشرعية قوات وإمكانات عسكرية خارج المدينة، دون أن ينعكس ذلك في استراتيجية وطنية واضحة لإنهاء الحصار. فالمطلوب مراجعة جادة للخيارات المتاحة، وتوظيف الإمكانات المتوفرة ضمن تحرك عسكري منسق يفتح الطرق ويضع حداً لمعاناة المدنيين، بعيداً عن المغامرات التي قد تضاعف كلفة الحرب على السكان.
إن استمرار حصار تعز لم يعد يكشف فقط حجم معاناة المدينة، بل يضع أداء القيادة السياسية والعسكرية أمام اختبار حقيقي للمسؤولية.
كفى بيانات لا تفتح طريقاً، وكفى إدانات لا ترفع حصاراً، وكفى وعوداً لا تغير واقعاً. تعز لا تريد خطابات رثاء، بل تريد قراراً ينهي عزلتها، وإرادة تترجم الأقوال إلى أفعال.
فالتاريخ لن يتوقف عند عدد البيانات التي صدرت بشأن حصار تعز، بل سيسجل أيضاً من امتلك مسؤولية القرار، وماذا فعل لإنهاء معاناة مدينة ظلت تنتظر طويلاً.