صعّد نائب رئيس هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل)، هاني بن بريك، هجومه على المملكة العربية السعودية، موجهاً اتهامات مباشرة لقيادتها بالإخلال بعهود الشراكة والتحالف مع المجلس، ومحملًا إياها مسؤولية ما وصفه بسوء إدارة الحرب ضد جماعة الحوثي، وتأخير حسم المعركة خلال السنوات الماضية، في خطاب يعكس استمرار أبو ظبي في تحريك أدواتها ضد السعودية.
وفي مقابلة تلفزيونية على قناة سكاي نيوز عربية (الإماراتية)، ذهب بن بريك إلى أبعد من انتقاد إدارة العمليات العسكرية، حين وصف تأخر حسم المعركة ضد الحوثيين بأنه "عملية مدروسة"، زاعماً أن الجماعة استغلت عامل الوقت لتعزيز نفوذها وتطوير قدراتها العسكرية، وأن قيادة التحالف العربي تتحمل مسؤولية كبيرة عن وصولها إلى المرحلة الراهنة.
وقال إن تأخر الحسم العسكري، في الوقت الذي كان فيه الحوثيون أضعف، مكّن الجماعة من مواصلة تعزيز قدراتها وتلقي الدعم والتهريب، وصولاً إلى امتلاك الصواريخ التي باتت تستخدمها في استهداف السعودية ودول أخرى.
وفي حديثه عن المواجهات الأخيرة والخلافات بين الرياض والمجلس الانتقالي، قال بن بريك بأن قيادة المجلس تتحمل جانباً من المسؤولية بسبب ما وصفه بـ"الإفراط في حسن الظن" بالسعودية، مشيراً إلى أن المجلس "لم يكن يتوقع أن تقدم المملكة على قصف قوات جنوبية"، زاعماً أن بعض أفراد تلك القوات سبق أن قاتلوا على الحدود السعودية دفاعاً عنها.
وأضاف أن قيادة الانتقالي ظلت تحسن الظن بالمملكة حتى اللحظات التي سبقت الضربات، قبل أن يتهمها بالإخلال بعهود الشراكة والتحالف، معتبراً أن ما جرى مثّل تحولاً غير متوقع في العلاقة بين الطرفين.
وفي محاولة لتبرير موقف المجلس من السعودية، قال بن بريك إن المملكة لم تعلن منذ تدخل التحالف العربي عام 2015 أنها جاءت لمنح الجنوبيين حقهم، لكنه زعم أن الأطراف المشاركة في التحالف "كانت متفقة على حق تقرير المصير، وعدم فرض إرادة سياسية على الجنوبيين لا يقبلون بها".
وانتقد بن بريك ما أسماه تمسك الرياض بوحدة اليمن، معتبراً أن ربط مستقبل الجنوب بمصير الشمال الخاضع لسيطرة الحوثيين أمر غير مقبول، ومطالباً السعودية والقوى اليمنية في الشمال بعدم تحميل الجنوب تبعات تعثر معركة استعادة المناطق التي تسيطر عليها الجماعة.
ودافع عن مشروع إقامة دولة مستقلة في الجنوب، قائلاً إنه سيكون، من وجهة نظره، مصلحة للسعودية ودول المنطقة، وأن الانفصال سيحول دون امتداد سيطرة الحوثيين إلى كامل الأراضي اليمنية، ويجعل الجنوب داعماً لتحرير الشمال، بدلاً من ربط مستقبله بمسار لم تنجح القوى الشمالية في تغييره.
ووصف بن بريك خطر الحوثيين بأنه يتجاوز ارتباطهم بإيران، ويرتبط، بحسب تعبيره، بعقيدتهم السياسية والفكرية القائمة على تصدير الثورة والحق الإلهي في الحكم، محذراً من أن استمرار سيطرتهم على الدولة والجيش سيبقيهم مصدر تهديد للسعودية ودول الخليج، حتى في حال تغير النظام الإيراني أو سقوطه.
كما انتقد التوجه نحو التهدئة مع الجماعة، معتبراً أنها تستغل الهدن لتعزيز قدراتها العسكرية، مستبعداً إمكانية التعايش معها في ظل تمسكها بمشروعها العقائدي.
وإلى جانب السعودية اتهم بن بريك حزب الإصلاح بالتسبب في إطالة أمد الحرب، وتحدث عن وجود تخادم بين الحوثيين وتنظيمي القاعدة وداعش لاستهداف القوات الجنوبية، مستنداً إلى ما قال إنها محاضر تحقيق وعمليات معلنة.
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار الجدل حول اتهامات سابقة ارتبطت باسم بن بريك في ملف الاغتيالات التي شهدتها العاصمة المؤقتة عدن خلال الفترة من 2015 إلى 2018، وطالت أئمة وخطباء مساجد وقيادات أمنية وشخصيات سياسية واجتماعية.
وكان بن بريك قد غادر العاصمة المؤقتة عدن أواخر عام 2017، متوجهاً إلى القاهرة قبل انتقاله إلى الإمارات، حيث يقيم منذ سنوات، وذلك بعد أن ارتبط اسمه باتهامات وردت في إفادات متهمين ومحاضر تحقيق مسربة بشأن عدد من تلك الاغتيالات.
وتضمنت محاضر تحقيق منسوبة إلى النيابة العامة في عدن، سُرّبت خلال السنوات الماضية، إفادات لمتهمين في قضية اغتيال الشيخ سمحان الراوي، نسبت إلى بن بريك أدواراً في التخطيط لعمليات اغتيال وتوفير السلاح للخلية المنفذة، إلى جانب محاولة تهريب متهمين والتأثير على أقوالهم.
ويأتي تصعيد بن بريك ضد السعودية في وقت تشهد فيه اليمن تطورات عسكرية متسارعة، مع إطلاق القوات الحكومية مدعومة من السعودية عملية "فجر اليمن" ضد مليشيا الحوثي، وتصاعد القتال في عدد من الجبهات، وسط مؤشرات على انتقال المعركة من سنوات التهدئة والتعثر إلى مرحلة جديدة من التصعيد.
ويضع هذا التوقيت تصريحات بن بريك في سياق أوسع من الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، خصوصاً مع عودة خطاب الانفصال وانتقاد الدور السعودي إلى الواجهة، بالتزامن مع تطورات ميدانية تتطلب تنسيقاً عسكرياً وسياسياً بين القوى المناهضة للجماعة.
وبينما يحمّل بن بريك الرياض مسؤولية تعثر الحرب، ويدافع عن مشروع انفصال الجنوب المدعوم من الإمارات، يثير توقيت تصريحاته ومضمونها تساؤلات بشأن وجود تخادم في المواقف بين المجلس الانتقالي ومليشيا الحوثي، وما إذا كان هذا التصعيد، يهدف بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى محاولة إضعاف تماسك القوى المناهضة للجماعة وتشتيت جهودها، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى توحيد الصفوف لمواجهة هذه المليشيات واستعادة مؤسسات الدولة.