منصة 26 سبتمبر
أجمع اليمنيون على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية على فداحة وخسارة رحيل السياسي اليمني البارز محمد يحيى الصبري عضو اللجنة المركزية للتنظيم الوحدي الشعبي الناصري، وذلك من خلال تفاعلهم مع خبر الرحيل عبر تغريداتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة لبيانات النعي والتعازي التي تم تقديمها لأسرة الفقيد وتنظيمه السياسي.
وقد تم الاعلان عن وفاة الصبري صباح الجمعة 6 مارس 2020 في إحدى مستشفيات العاصمة المصرية بعد صراع طويل امتد لما يقرب العامين مع سرطان القولون، وتم دفنه اليوم التالي في مقبرة الشميري بالقاهرة بحضور عدد من الشخصيات السياسية اليمنية.
التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري قال في بيان النعي إن فداحة الخسارة ومرارة الرحيل ليس للتنظيم فحسب، وإنما لكل القوى الوطنية على الساحة اليمنية والعربية، حيث اعتبره البيان مناضلا ناصريا صلبا، ومثقفا فذا، وإعلاميا مميزا، وسياسيا محنكا، وقائدا استثنائيا، مؤكدا أن هذه الصفات هي ما أهلته ليكون رجل الحوار الأول ومن القلة الذين ساهموا في تجميع جهود القوى الوطنية اليمنية حول مشروع سياسي جامع يهدف لإحداث التغيير وبناء الدولة المدنية الحديثة والتي ظلت في طليعة آمال وأحلام اليمنيين وتطلعاتهم.
وأشار البيان أن خسارة الرحيل تجسدت في أنه جاء في لحظة صعبة، ووطنه الذي يعاني ويلات الحرب أحوج ما يكون لحكمة السياسي التي امتاز بها، وظلت سمته التي لا تفارقه منذ أول ولوج له إلى عالم السياسة والنضال، مؤكدا أن الراحل عاش حياةً حافلةً بالعطاء السياسي والثوري والفكري والإنساني مجسدا بذلك سلوك الناصري العصامي في حياته، الراسخ والثابت على مواقفه، والمتسلح بالعلم والفكر والمعرفة، ليكون أنموذجا للمناضل الاستثنائي الذي يخرج من بين الجماهير معبرا عن هموما ومنحازا لتطلعاتها.
وشدد البيان أن الحركة الناصرية من المحيط إلى الخليج تفقد برحيل المناضل الصبري واحدا من أبرز رجالاتها الذين كان لهم اسهاماتهم الفكرية وأدوارهم النضالية للدفاع عن مجمل القضايا العربية، باحثا سياسيا وفكريا له العديد من الكتابات والأبحاث، بالإضافة لمشاركته في العديد من الفعاليات القومية، أبرزها المؤتمر القومي العربي الذي كان عضوا فيه في فترة من الفترات بالإضافة لعضويته في العديد من المنظمات القومية على الساحة العربية.
وقد ولد السياسي اليمني محمد يحيى الصبري في العام 1966 في قرية المجمعة بمشرعة وحدنان تعز، وانتهل من بيئة جبل صبر معاني الصمود والتحدي والصلادة والاعتزاز بالنفس وهي الصفات التي انعكست على شخصيته وظلت ملازمة له طوال فترة حياته، كما أنه ظل حاملا للقيم الأصيلة للمواطن الريفي البسيط المتجذر وجدانيا بتربة أرضه والمرتبط بها.
تأثر الصبري مبكرا بالعمل السياسي والمدني والذي كان ينشط في مدينة تعز والتي تخرج من ثانويتها الكبرى في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وخلال دراسته الثانوية تأثر بالفكر الناصري، وظهرت فيه ملامح شخصيته القيادية التي نجح في تأهيلها فكريا من خلال القراءة والمطالعة، وممارسة الأنشطة الطلابية المختلفة.
في نهاية الثمانينات التحق الشاب محمد الصبري بالتنظيم الناصري، وقد قادته اهتماماته السياسية للالتحاق بقسم العلوم السياسية بكلية التجارة جامعة صنعاء، وخلال دراسته الجامعية برز كقيادي في الحركة الطلابية وفي القطاع الطلابي للناصري، حيث كان الحراك السياسي في أوجه بعد إعلان الوحدة اليمنية وإعلان التعددية الحزبية، وفي تلك الفترة ظهرت للعلن مهارات جديدة يمتاز بها هذا الشاب الذي بدأ بتقديم نفسه ككاتب صحفي.
العام 1993 مثل محطة هامة في حياة الصبري الذي تخرج في هذا العام من الجامعة حاصلا على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية، أما على المستوى التنظيمي فقد تزامن هذا العام مع انعقاد المؤتمر الوطني العام الثامن للتنظيم الناصري والذي شارك فيه الصبري ليتولى بعد المؤتمر سكرتارية الدائرة السياسية، حيث وجد في ذلك فرصة ثمينة للاطلاع والقراءة وممارسة العمل السياسي مع جهابذة السياسية الذين انتهل منهم ما أهله لاحقا ليكون من أبرز الأسماء السياسية والاعلامية على الساحة اليمنية على الإطلاق.
ظل الصبري وفيا للمبادي الناصرية متمسكا بها، واحتل له مكانة مرموقة كقيادي ناصري حيث تم انتخابه في المؤتمر العام الوطني التاسع كعضو لجنة مركزية، مع استمراره ككاتب صحفي في صحيفة الوحدوي وفي صحف أخرى، حيث امتازت كتاباته بالاهتمام بمجمل القضايا وفي مقدمتها القضايا السياسية والوطنية.
في المؤتمر العام العاشر تولى الصبري أمانة الدائرة السياسية للتنظيم وتزامن ذلك مع تشكيل تحالف اللقاء المشترك الذي كان الصبري أبرز من ساهموا بتشكيله وأبرز قياداته أيضا، وقد عقدت في هذه الفترة الانتخابات الرئاسية التي شارك فيها اللقاء المشترك بمرشح وحيد هو المهندس فيصل بن شملان، ونتيجة للقدرات السياسية والاعلامية التي يمتاز بها الصبري ولأهمية المرحلة فقد تولى رئاسة الهيئة التنفيذية والناطق الرسمي لتكتل اللقاء المشترك لأكثر من فترة بعد توافق أحزاب المشترك على التمديد له.
امتلك الصبري عددا من الخصائص الذي جعله رجل التوازنات الأول، فهو يمتلك القدرة الاستثنائية على إدارة الحوارات السياسية والتقريب بين الأطراف المتباعدة وتقريب وجهات النظر، كما أنه يمتلك ثقافة منهجية مميزة، وهو قبل ذلك باحث سياسي وأكاديمي، فلم تمنعه انشغالاته السياسية من الحصول على دبلوم الدراسات العليا من جامعة صنعاء.
كما أنه كان من أبرز الصحفيين على الساحة اليمنية من خلال الكتابة في عدد من الصحف، حيث تمتاز كتاباته بالتحليل والاستقراء السياسي، كما أن كتاباته امتلكت قدرة فريدة على تشخيص وتحليل مجمل القضايا بطريقة منهجية وتقديم الحلول، وهو ما جعل كتاباته الصحفية تحظى باهتمام منقطع النظير، وينتظرها القارئ بشغف، كما تعمل الصحف الحزبية والمستقلة على استقطاب قلمه.
في مجتمع قبلي انحاز الصبري باكرا لفكرة المدنية وبات من أبرز من ينظرون ويبشرون بالمجتمع المدني منتصرا له بكل الوسائل، ولذا فقد كان يرى أن العمل الحزبي يمثل أهم عمادة للمجتمع المدني، ومع نشاطه الحزبي إلا أنه كان له نشاطات متعددة مع المجتمع المدني من خلال عضويته في عدد من المنظمات المدنية، حيث كان عضوا في كثير من الهيئات الإدارية للعديد من منظمات المجتمع المدني، أبرزها المنتدى الاجتماعي الديمقراطي الذي كان عضوا في هيئته التنفيذية، كما أن نشاطاته المدنية لم تتوقف عند المستوى المحلي فقط بل امتدت للمستوى الاقليمي والعربي.
ولقد انحاز الصبري باكرا للشارع وأحلامه وتطلعاته من خلال مشاركاته في مجمل المظاهرات والمسيرات الوطنية منذ أن كان طالبا في المدرسة وخلال دراسته الجامعية، فقد بقي في صف الشارع معبرا عنه ومدافعا عنه، ولذا فليس غريبا أن يكون من أوائل السياسيين الذين أعلنوا تأييدهم لثورة 11 فبراير الشعبية السلمية، وشارك في فعالياتها، وكان قياديا في المجلس الوطني لقوى الثورة.
كما ساهم بفاعلية في مؤتمر الحوار الوطني وكان من أبرز الشخصيات التي عملت على تقريب الرؤى ورسم ملامح اليمن الاتحادي الجديد الذي يتطلع إليه اليمنيون، غير أن ما يميزه في هذا الجانب أنه كان من السباقين للدعوة للحوار الوطني قبل ثورة فبراير بسنوات.
بالإضافة إلى ذلك فقد سجل الصبري حضورا عربيا من خلال نشاطاته واهتماماته بمجمل القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وشارك في عدد من الفعاليات العربية أبرزها عضويته في المؤتمر القومي العربي ودوره الفاعل فيه.
غير أن ما يميز الصبري هو نتاجه السياسي المكتوب من خلال كتابته لعدد من الدراسات السياسية حول العلاقات اليمنية الاقليمية (العلاقات اليمنية الخليجية أنموذجا)، وأخرى حول الأبعاد الإقليمية للعلاقات اليمنية الأمريكية، وأخرى بعنوان أمن البحر الاحمر في العلاقات اليمنية الأمريكية، وسياسة اليمن تجاه عمليات السلام في الشرق الأوسط، واليمن ومشروع الشرق الأوسط الكبير، ومستقبل النظام الحزبي في اليمن، والحوار الوطني الشامل وبناء الدولة، وإشكالية الوجود العسكري الأمريكي في اليمن، والأبعاد الذهنية والنفسية للعلاقات اليمنية السعودية، ودور وسائل الإعلام في مراقبة المساعدات والقروض الخارجية لليمن، والتحالفات السياسية في اليمن (اللقاء المشترك أنموذجا).
وبلاشك فإن غياب السياسي والاعلامي محمد يحيى الصبري سيترك فراغا كبيرا ليس لدى التنظيم الناصري فحسب وإنما لليمن والوطن العربي أكمل، وهو الذي حمل الصبري همومه منذ ايمانه بالفكر الناصري وإيمانه بالوطن الكبير الممتد من المحيط إلى الخليج والذي بات يفتقده اليوم.