أنا واللقب الآخر.. سيرة اليمني
مصطفى غليس
هذه التدوينة أهديها حصرًا لمجموعة "معتقدات وتقاليد يمنية قديمة" لا أدري ماذا أسميها، هل عادة أم معتقد، أم سيرة حياة مواطن يمني، هو أنا وأنت وهو.. ومع ذلك تعالوا لتسمعوا حكايتي مع اللقب أو الاسم او الكنية الأخرى أو أي شيء يمكنكم توصيف هذه السيرة في إطاره لأنها حالة قد عايشناها جميعًا.
مُذ وعيت، سمعت - مثل غيري- الكثير من النداءات الموجهة لي، بأسماء وألقاب وكُنى توزعت بين العنصرية والطائفية، كثير من هذه الألقاب ظلت ترافقني إلى اليوم.
في قريتنا أسر عديدة، منها أسرة "غليس" التي انتمي إليها وغالبًا ما كان يتم فرزنا عنصريًا منذ الطفولة حينما نلعب كرة القدم ووصل الحال إلى الفرز في المدرسة بين "غليسي و...و....".
بالانتقال إلى يريم، وهي أقرب المدن إلى قريتنا، وحينما انضممت إلى نادي يحصب ضمن فريق كرة القدم للعب في تصفيات المنطقة والمخافظات وكان يومها من أندية الدرجة الثانية، وجدت نفسي وقد التصق بي لقب "القبيلي"، هكذا كان يدعوني البعض أنا ولاعب من قرية "الأكسود" ولاعبان من قرية "خاو"،وهكذا تم فرزنا عنصريًا ما أثر في أداء الفريق وكان في حوارتنا الكثير من الحساسية بين "يريمي" وهو ابن مدينة يريم و"قبيلي" وهو ابن أي قرية وفد على يريم.
انتقلت للدراسة في جامعة ذمار، وهناك وجدت نفسي "يريميًا"، قد لا يعرف بعضكم أن ثمة طرافة ومزح كثير بين ذمار ويريم حيث تسمع آلاف النكات المنسوبة إلى المدينتين القريبتين من بعض جغرافيا وثقافيا، لكن الأمر كان يتجاوز المزح في أحيان كثيرة وتجد نفسك محاطًا بسياج عنصري لأنك "يريمي".
في صنعاء، التي كنت أزورها كل عام في العطلة الصيفية، كانت العنصرية أكثر وضوحا منها في يريم وذمار، لقد كانت طافحة بالعنصرية، ولم يكن يمض يوم واحد دون أن اسمع من يناديني أو يطلق علي لقب "الخباني"، كانت تطلق بسخرية بالغة وتهكم لا يشعر به إلا المعني به.
في 2006 كنت عضوًا في إحدى لجان انتخابات أمناء عموم المجالس المحلية في محافظة الحديدة، وكانت الانتخابات بعد عيد الفطر مباشرة، كانت الفنادق مزدحمة أتعرفون بمن؟ بـ "الجبالية"، وهو اللقب الذي رافقني طوال إقامتي في مدينة الحديدة ورغم ذاك فهي تظل أكثر المدن اليمنية التي لمست فيها ووجدت الكثير مظاهر التعايش والتسامح، ومع ذلك حظيت فيها بلقب "الجبلي"، وكل وافد على تهامه يسمى في الحديدة "جبلي".
في خليجي 20، نوفمبر 2010، كانت أول زياراتي لمدينة عدن، كموفد لصحيفة "الرأي العام" وهناك شهدت واقعًا معنى أن تكون شماليًا دحباشيًا، نعم شهدتها بعد أن سمعت عنها الكثير، ولم أجربها إلا في 2010 في الباص والمطعم وسوق القات وعلى مدرجات ملعب 22 مايو.
قبل خمس سنوات، وصلت إلى السعودية، وهناك وجدت نفسي "زيديًا" و"يمانيًا"، والحقيقة أنني أفخر بيمانيتي ولا أجد حرجًا على الإطلاق في كوني "يماني"، لكن حينما تسمعها وهي تطلق عليك بعنصرية يتولد في نفسك إحساس بالغيض والغضب، رغم أني لم أسمعها إلا نادرًا.
الآن أنا متأكد، لو انتقلت إلى أوروبا لوجدت من يعاملني على أنني عربي متخلف وجلف باعتبار أصلي، أو إرهابي مخيف بناء على ديانتي، وقد أخبرني كثير من أصدقائي الذين أجبرتهم الحرب على اللجوء إلى دول أوربية أنهم واجهوا تلك العنصرية.
نعم، أنا "غليسي، قبيلي، يريمي، خباني، جبلي، يماني، عربي" أفخر بكوني كل ذلك، فليس في تلك الألقاب المناطقية ما يعيب، فقط أرجوكم لا تطلقوها علي بعنصرية ولا تضفوا عليها السخرية والتهكم لأنها تتحول مع تلك الخلطة الغبية إلى مشكلة لدي ولدى غيري.
تصالحوا، تعايشوا، ولكم رحيق محبتي.