هول المأساة اللبنانية لم تشفع على ما يبدو للبلد الغارق في أحزانه من أجل النجاة من محاولات جماعة الإخوان الترويج "للاستعمار التركي"، بعد أن باتت أنقرة أشبه بـ"تورا بورا التنظيم الإرهابي" حيث لجأ المئات من قادته وكوادره لكهوف نظامها.
وهب أعضاء الجماعة الإرهابية ليفتشوا بين أنقاض الكارثة اللبنانية عن وهم جديد لترويجه واختاروا صوامع مرفأ لبنان التي زعموا أن الاحتلال التركي أنشأها قبل 150 عاما قائلين إنها أنقذت بيروت من كارثة أكثر فداحة.
وتلقف إعلاميو قناة الجزيرة القطرية ما تلوكه ألسنة الإخوان لإعادة انتاجه وتسليط الضوء عليه لتلميع صورة حليف الدوحة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل أن يتبدد الوهم ولا يبقا من الاستعمار التركي إلا وجهه القبيح الذي ألفته شعوب المنطقة.
وكشف تقرير بثّته خدمة تقصّي صحّة الأخبار باللغة العربية في وكالة الصحافة الفرنسية، أنّه لا صحة لما تمّ تداوله آلاف المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن بينهم إعلاميون في قناة الجزيرة القطرية ومن بعض المحسوبين على تنظيم الإخوان من أنّ صوامع القمح في مرفأ بيروت، التي ظلّ جانب منها قائماً رغم الدمار الكبير الذي لحق بها إثر انفجارات المرفأ، هي من إنجازات تركيا التي حكمت لبنان حتى عام 1918.
وأكد التقرير أنّ الصوامع لم تبن إبان الدولة العثمانية، حيث أكد موسى خوري الذي شغل منصب مدير صوامع بيروت بين العامين 2014 و2017 أنّ "هذا خبر غير صحيح".

وأضاف في حديث لوكالة فرانس برس "بدأ بناء الإهراءات (الصوامع) في العام 1965 وانتهى في العام 1969، وكان بمنحة كويتيّة"، أي بعد نصف قرن على انتهاء الاحتلال التركي للبنان.
وأيّد ذلك الكاتب والباحث المتخصّص بتاريخ بيروت سهيل منيمنة الذي يرأس حالياً جمعيّة "تراثنا بيروت" المتخصّصة بتوثيق تاريخ العاصمة.
وقال "هذا الخبر غير صحيح، انتهى بناء الصوامع قرابة العام 1970، وقبل ذلك كانت الحبوب تخزّن في مخازن صغيرة بنيت في العام 1948".
وقال المؤرّخ والأستاذ الجامعي حسّان حلّاق وهو صاحب كتب عدّة عن تاريخ بيروت "الصوامع القائمة حالياً ليست من تركة الدولة العثمانية، بل هي حديثة".
وبعد أيام على انفجار مرفأ بيروت روج أنصار الإخوان إلى أن الصوامع الخرسانية التي صمدت نسبيّاً أمام قوة الانفجار بناها العثمانيون قبل 200 عام.
وكتب بعضهم "إن لم تقدّم تركيا شيئاً في هذه الأزمة، يكفي أنها أنقذت الأرواح"، على اعتبار أن الصوامع حجبت قسماً من قوّة الانفجار عن العاصمة.
من جهته، أكد مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية بالجامعة اللبنانية، أن تلك الصوامع بُنيت بموجب اتفاقية قرض بين لبنان والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، وذلك في مطلع عام 1970، بعد عامين تقريبا من توقيع الاتفاق بين الصندوق الكويتي ولبنان.
وأثار الإعلامي المصري في شبكة "الجزيرة" الإخبارية، أحمد منصور، جدلا واسعًا عبر الفضاء الافتراضي، بعدما ذكر أن صوامع غلال مرفأ بيروت بُنيت إبان الحقبة العثمانية.
وكتب منصور، في صفحته عبر فيسبوك، أن "صوامع الحبوب الخرسانية هذه هي الوحيدة التي صمدت أمام قوة الانفجار وعملت كمصدات حمت الأبراج التي خلفها، بناها العثمانيون حينما قاموا بتجديد الميناء قبل 150 عاما مرفأ لبنان بناه العثمانيون"، متسائلا: "هذا هو الاستعمار التركي؟!"
ومع موجة من الانتقادات، أجرى منصور تعديلا على منشوره، بعد مرور نحو 4 ساعات على ما كتبه في البداية.
وفي التعديل، حذف منصور ما قاله حول أن الصوامع "بناها العثمانيون"، مُضيفا مزيد من التفاصيل عن تاريخ الميناء، وهو ما أمكن معرفته من خلال خاصية فيسبوك لمراجعة تعديلات النشر.
وفي أعقاب انحسار أحداث ما سمي بـ"الربيع العربي" لجأ قادة الإخوان لتركيا بعد أن لفظتهم الشعوب العربية في عدد من الأقطار. ومنذ ذلك الحين يسعى أعضاء الجماعة لتغطية على جرائم تركيا في البلدان العربية.
ففي سوريا رحبت جماعة الإخوان بغزو أنقرة للشمال السوري وروجت لحق تركيا في حماية أمنها القومي، وفي ليبيا استدعت الجماعة جيش أردوغان لحماية مكاسبهم في الغرب وسط تنديد الليبيين بالاحتلال وعملائه.
ومنذ عام 2018 تشن تركيا عمليات عسكرية مباشرة في الشمال السوري، وفي أواخر 2019 حصل أردوغان على ضوء أخضر من برلمان بلاده للتدخل العسكري في ليبيا بعد أن سلمت حكومة فايز السراج مفاتيح طرابلس لأنقرة بموجب مذكرتي تفاهم أثارت انتقادات دولية وإقليمية.