أخبار محلية

المايسترو في النمسا.. عندما أنهى عشق الأهلي انطلاقة خرافية لصالح سليم

المايسترو في النمسا.. عندما أنهى عشق الأهلي انطلاقة خرافية لصالح سليم

"برافو صالح سليم.. برافو".. 4 كلمات صرخ بها المعلق النمساوي عندما شاهد لاعب نادي جراتس الرياضي الجديد، يسدد كرة قوية من خارج منطقة الجزاء في سقف الشبكة، في بداية فترة احتراف سحرت أنصار الفريق.

لكن الجمهور المصري لا يعلم عنها سوى القليل بعد مرور نحو 60 عاما عليها.

صالح سليم هو أحد أساطير ورموز كرة القدم المصرية والعربية، ليس كلاعب فقط وإنما امتد سحره إلى المناصب الإدارية، ليسجل اسمه بأحرف من نور في عالم اللعبة.

كيف بدأت الرحلة؟

حاولت "العين الرياضية" الوصول إلى الرواية الصحيحة لقصة احتراف "المايسترو"، حيث تواصلت مع هيربرت لوسل مسؤول الأرشيف والإعلام في نادي جراتس الرياضي، الذي يعاني في الوقت الحالي صعوبات فنية ومالية دفعته إلى الدرجات الأدنى للدوري النمساوي.

وفق رواية لمراسل لـ"العين الرياضية"، تلقى صالح سليم (32 عاما في ذلك الوقت)، قائد الأهلي وأهم لاعب كرة قدم في مصر آواخر عام 1962، خطابا غير معتاد من النمسا، ممهور بتوقيع المدرب النمساوي فريتز بيمبيرل، الذي قاد القلعة الحمراء 7 سنوات متواصلة.


وكتب فريتز لصالح سليم إنه أصبح مدربا لفريق من فرق الدوري الممتاز في النمسا، لكنه يعاني من بعض المشاكل، مضيفا: "مهارتك وأفكارك التكتيكية يمكن أن تساعد الفريق على الترقي في جدول الدوري المحلي".

وأضاف: "منحني النادي الفرصة لضم أي لاعب أجنبي أريده، وأنت اللاعب الوحيد الذي أرغب في ضمه".

وأرسل المدرب النمساوي عقدا مع الخطاب، وطلب من سليم أن يوقعه إذا وافق على العمل معه.

وفي مقدمة العقد، كتب كونراد راينتهالر رئيس النادي النمساوي: "ستحصل على المقابل المادي الذي يتقاضاه أي لاعب في قائمتنا، وهو 5 آلاف شلن نمساوي (يعادل 100 جنيه مصري وقتها)".

وبالفعل وافق سليم ووضع توقيعه على العقد، وأصبح لاعبا في جراتسر إيه كي (يلقب بالشياطين الحمر) بشكل رسمي في فبراير/ شباط 1963، ووصل مطار فيينا في وقت لاحق، حيث حظى باستقبال كبير من ممثلي النادي، قبل أن يستقل القطار إلى مدينة جراتس جنوبي النمسا.

وعندما توقف القطار في المحطة الرئيسية في جراتس، وجد سليم حشدا كبيرا من المشجعين في استقباله، يحملون لافتات بالعربية والألمانية ترحب به، وكان بينهم العديد من الطلاب العرب الذين كانوا يدرسون في المدينة.

بداية خرافية

في أول مباراة ودية لصالح سليم مع الفريق، تحديدا في 3 أبريل/ نيسان 1963، سجل اللاعب 6 أهداف في مرمى فرونلايتن، في المباراة التي انتهت بنتيجة 14-1، وحضرها حشد كبير من الجماهير لمشاهدة النجم الذي أطلقت عليه الصحافة وقتها "الفرعون المصري".

وبعد هذه المباراة بـ4 أيام، وضع المدرب فريتز لاعبه الجديد في التشكيل الأساسي في مباراته الرسمية الأولى ضد فريق لاسيك بالدوري المحلي، ورغم تقديم الفريق أداء ضعيفا، خرج متعادلا بهدف لمثله بفضل تسديدة قوية لصالح سليم في الدقيقة 39، وبات أول مصري يسجل هدفا في المسابقة.

وبعدها، سجل سليم هدفا جديدا في ثاني مباراته بالدوري النمساوي ضد أوستريا كلاجينفورت أمام 8 آلاف متفرج، في المباراة التي انتهت بنتيجة 2-1 لصالح جراتس الرياضي. ثم أحرز هدفا ثالثا في مباراة ضد واكر.


بعدها، تعرض سليم لسلسلة من الإصابات ولم يلعب سوى بضع مباريات، وأنهى فريقه الدوري في المركز التاسع بجدول الترتيب.

وبعد 4 أشهر فقط في النمسا، لعب خلالها 6 مباريات رسمية وسجل 3 أهداف، قرر سليم العودة إلى مصر في خطوة فاجأت جميع من شاهد أداءه هناك، وسط شائعات منها أنه غادر الفريق بسبب فشل مفاوضات تجديد تعاقده، وأنه تلقى استدعاء للجيش المصري.

ولكن الحقيقة أن سليم كان يشعر بكثير من الحنين لبلاده ولناديه الأصلي الأهلي، ولعائلته التي ظلت في القاهرة طوال فترة وجوده في النمسا.

وقال سليم في تصريحات سابقة عن سبب تركه النمسا: "كنت أشعر بالحنين للأهلي، فهو حياتي وبيتي الذي ارتبطت به منذ أن كنت في الـ14 من عمري، وفيه قابلت معلمي وقدوتي مختار التتش الذي علمني معنى الرياضة والانتماء للنادي"، مضيفا "حتى اليوم، لا أتقبل فكرة أن يخسر الأهلي مباراة".


كيف يراه الغريم؟

لعقود طويلة، كان نادي شتورم جراتس الغريم التقليدي لنادي جراتس الرياضي الذي لعب له صالح سليم، ودائما ما اكتظت شوارع المدينة بجماهير الفريقين في مباريات الديربي.

وفي هذا الإطار، قالت تريزا جوتمان مسؤولة الإعلام في نادي شتورم جراتس لـ"العين الرياضية" عن فترة احترام سليم في الدوري النمساوي: "عدت إلى مؤرخينا، وتوصلت إلى أن سليم لعب 4 أشهر لصالح غريمنا جراتسر إيه كي في الفترة بين فبراير ويونيو/ حزيران 1963، وأحدث أثرا كبيرا بسبب مهاراته الرفيعة".

وتابعت: "أحدث انتقال سليم للنمسا ضجة كبيرة وكان محور عناوين الصحف طوال فترة وجوده في جراتس، كان يلقب بـ"توني سيلر" الشرق بسبب أوجه الشبه الكبيرة بينه وبين بطل التزلج النمساوي".

فيما قال المؤرخ جورج شبيتلر لأرشيف جامعة فيينا الحكومية: "في بداية أبريل/ نيسان 1963، كان هناك حديث واحد في مدينة جراتس، وفي كل مكان تذهب إليه، سواء المصانع أو المكاتب والمقاهي، كانت تدور نفس الأسئلة: كيف يلعب سليم؟".

وتابع "أحدث وصول اللاعب المصري إلى جراتس ضجة كبيرة، وقدم أداءات رفيعة نالت استحسان المشجعين والصحافة، في بداية فترة دخول اللاعبين الأجانب للدوري النمساوي".

وكان سليم نقلة كبيرة للدوري النمساوي الذي كان لاعبوه يعتمدون في ذلك الوقت على القوة البدنية والتدخلات العنيفة وسط غياب واضح للمهارة الفردية العالية.