أخبار محلية

( العابرون على رماد الليل ).. مقال يحكي مشقة السفر الى سقطرى

عدن الغد- أخبار المحافظات 05/04/2021 12:23 183 مشاهدة
( العابرون على رماد الليل )..  مقال يحكي مشقة السفر الى سقطرى
أخبار المحافظات
الاثنين 05 أبريل 2021 12:19 مساءً
سقطرى ((عدن الغد)) خاص:

للكاتب / عبدالملك أحمد الشنقبي...

هكذا على حين غِرَّةٍ بدأ العالم بالانهيار فوق بعضه لِيُخلِّف رُكامًا من المآسي والآلام في أيامٍ قليلة. تفشَّى الوباء فجأةً لِيحصُد أرواح آلاف البشر. هل حقًا وصلنا إلى خط النهاية؟، هل أوشك العالم على الموت بأيدي أبنائِه وسُّكانه؟، لوهلةٍ يبدو أن ما يحصُلُ حاليًا هو اِحتضارٌ عالمي وتطهير كوني. أسئلة كثيرة لا مناص من الحيرة في سرها المُلغِز، كما إننا لا نمتلك إجاباتٍ كافية لحل بعضها في الوقت الراهن. نتساءل فقط، نتساءل إلى ما لا نهاية. هنا في بلادنا هذه، بإمكان المرء أن يرى البؤس في أفضل حالاته وأزهى تجلياته، تراه في وجوه المارة، في العمارات والبنايات المنسوفة، في أرصفة الحواري الترابية الضيقة، في أزقة البيوت المتحاذية، في أجساد الأطفال الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وفي عيون كلاب الشوارع الضالة الجائعة. تُحِسهُ يتغلغل عميقًا في أرواحهم حتى لتراه يفيضُ مُتوهِّجًا ومُشتعِلًا لينعكس على سحنة وجوههم وخطوط تعابيرهم وأعينهم المهمومة الكئيبة. من يعلم، ربما هو طفرةٌ جينية توارثها أبناء هذا البلد العظيم لِيُمرروها إلى الأجيال القادمة حتى آخر العمر ونهاية الخليقة.

كانت الساعة تُشير إلى الثالثة فجرًا، اِبتدأت سُحب السماء بالانقشاع، الجو فيه من البرودة ما يُثلج القلب قبل الجسد، يهبُّ نسيم الصباح العليل بين الحين والآخر ليُنعش روح المرء الفاترة. لا يشعر الإنسان بأنه على قيد الحياة حتى يقضي الصباحات الباكرة على شاطٍئ هادٍئ ينأى به عن هذا العالم، أو في غابةٍ كثيفة قصية عن كل هذه المادية المتفشية في الأرجاء كالداء القاتل، أو ربما هي نزعة داخلية فطرية فيَّ للهدوء، للصمت، للسكينة والموت.

ما أجمل الرحيل من هذا العالم، ولكن إلى أين؟، كل ما نستطيع قوله حد اللحظة أننا نمضي إلى المجهول بلا أدنى شك. تحضرني رسالة اِنتحار فان جوخ التي كتبها إلى أخيه ثيو، جاء في أسطرها الأخيرة: "أريد أن أسافر في النجوم وهذا البائس جسدي يُعيقني!، متى سنمضي نحن أبناء الأرض، حاملين مناديلنا المُدماة، ولكن إلى أين؟، إلى الحُلم طبعًا." إلى أن ختمها بحزنٍ عميقٍ قائِلًا: "وداعًا يا ثيو، سأغادر نحو الربيع". آهٍ يا فان، ليت بمقدورك أن تخبرنا كيف هو حال الربيع معكم، لنغادر بعدكم.

أما الآن فقد أزِفَتْ الساعة وحان وقت الرحيل، عِبارةٌ صعدت من أعماق قرارتي لتطفو على سطح وعيي، كأن شيئًا ما في داخلي يَحُثُّني على الرحيل، على التوغل بعيدًا في البعد البعيد. لم ألبث طويلًا حتى قررتُ أن أغادر هذه المدينة التي غيرتْ فيَّ الكثير، التي عِشتُ فيها حتى عرفتُ تفاصيلها الصغيرة، والتي بدورها عاشت فيَّ حتى ألِفتُ شتات نفسي فيها. صعدنا إلى السيارة وانطلقنا راحلين نحو أقدارنا المجهولة. كان الطريق مُنهِكًا حد المرض، ومُرهِقًا حد الغثيان. يأتي على الإنسان وقتٌ كل ما يُجيد فعله فيه هو أن يَحمِل جسده فقط، حينها تُصبح كل الأشياء صعبة المراس، قاسيةً وعصية التعامل لا تُطاق. تتهاوى المُجريات من حولك، كأنك تطفو وتعوم فوق بركةٍ من لهب، تشعر بكل شيءٍ يحدث حولك، ولكنك فاقِدٌ لنصف وعيك، تشعر ولا تشعر، تتألم ولا تتألم، تسمع ولا تسمع، حالةٌ من الخمُود المُشتعِل، لتدع الأشياء في نهاية الأمر لكي تتدفق في رأسك مُحدِثةً صخبًا صامِتًا في داخلك. 

خلال الطريق والاستراحات البينية رأيت الكثير، منها طبقاتٌ اجتماعية مُتفاوتة الوضع والمكانة، والعديد من الحيوات التي لا أثر على وجودِها بتاتًا. أناسٌ في قمة الهرم الاجتماعي، وآخرون في قعر الفقر المُدقِع. آهٍ يا ألله، ما أمرَّ الفقر وما أشدَّه، يتجذر في كيان الإنسان ليُثنيه عن الحياة والموت. رباه، ما أصعب أن تموت الحياة في إنسانٍ على قيد الحياة، إنسانٌ اِبتلعتهُ ظلمات الوجود مُنذُ أن وُجِد، يعرف التنفس لا أكثر، ويجري خلف بقايا أرغفةٍ يابِسةٍ ليل نهار. أطفالٌ منثورون في أزقة المدينة، في شوارعها وتقاطعاتها، مرضًى يتضورون جُوعًا ويتلوّون ألمًا وحُزنًا عظِيمًا. صعبةٌ هي الحياة، ولكن لا أصعب من حياتنا هذه. دماءٌ كالنهر تجري، وحروبٌ طاحِنة لا تنتهي، والضحايا هم أبرياء الله في الأرض. لن تضع الحرب أوزارها حتى يُدرك الجميع واجباتهم الحقة نحو الله، حتى يتقبل الإنسان أخاه بكل مساوئِه ومحاسنِه، وحتى يَعُمَّ التُقى قلوب الموحدين. 

وصلنا بعد أن صفعتنا شمس البراري والقفار لساعاتٍ طويلة، بعد أن خارت قوانا إرهاقًا وتعبًا من طول المسافات وبُعد النوايا والمقاصد. اِكترينا غرفةً واسِعةً وأرحنا أجسادنا حتى اليوم التالي، بعدها أخذنا نجوبُ المدينة بحثًا عن سفِينةٍ راحِلةٍ ملّت الرُسُو على الشواطئ والموانئ. لم يُحالفنا الحظ لأربعة أيامٍ كاملة حتى جاء الفرج ليَشُقَّ ضباب اليأس القاتم. كان الطريق إلى محطة الرحيل يبعُد قرابة الساعتين من موقع المغادرة والانطلاق. حثثنا الخُطى مُسرعين حتى وصلنا إلى بوابة الدخول في منتصف الليل، توغلنا داخلين إلى رصيف الرحيل، رأينا مسؤولي الأمن والحراسة يشدُّون الحوار من طرفٍ ويمُدُّونه من الطرف الآخر. فهمتُ على نحوٍ سريعٍ أن الوضع بَلغَ أشُدَّه، وأن آمال الخروج من فيفاء حضرموت الشاسعة تشابكت وتواشجت على نحوٍ مؤسف. 

تقاذفتنا الرياح الرملية وحملنا بؤسنا ويأسنا معنا قافلين راجعين بعد ليلٍ طويلٍ وعصِيب. يالِهذا الحزن العظيم، حينما يعزم المرء على الرحيل إلى موطنه من ذات الموطن ليتفجأ بإغلاق جميع المعابر والمخارج. لا مخرج ولا مفر من أقدارنا، نقود ذواتنا إليها وتقودنا هي إلى الوقوع في فخاخها وأشراكها. كانت صفحة صُبح السماء على وشك الانبلاج مُعلِنةً شُروق يومٍ جديد، ونحنا الغرباء نبحث عن فندقٍ أو مأوًى حتى الغد. بعد بحثٍ وعناءٍ طويلين وجدنا غرفة صغيرة. أفقنا على شمس الظهيرة وأسرعنا إلى الميناء حاملين قلوبنا الخافِقة بالعزيمة، والمليئة بهموم المساعي على هذه البسيطة. صعدنا على ظهر السفينة وانتظرنا دقائق معدودة، ثم انطلقنا ماخرين عباب البحر بِنِّية الوصول إلى الأفق البعيد.

ها أنا ذا أجلسُ فوق رابيةٍ تُرابيةٍ مُرتفعة الطول والقامة، بمنظرٍ زاهٍ بَهيٍّ يُطل على البحر العربي الشاسع، الأمواج هادئةٌ ومُنعشة، والروح هائمةٌ ومُتعبة. هكذا هو الإنسان المُتجرد من المادية دائمًا، يعشق الاقتراب من جوهره في الطبيعة الخالصة، أو لِنقُل بتعبيرٍ أدق وأوسع: "الإنسان الذي يحاول أن يتحرر ويتجرد من أغلال المادية والعصرنة والحداثة، رغم أن هذا الأمر كثيرًا ما يكون صعبًا في الواقع، إلا أن الحياة دائمًا ما تطيب لهذا الإنسان الباحث الحائر بقرب الطبيعة، تمامًا كالطفل في حضن أمه، يرتاح بجوارها راحةً عظيمة، ويأنس مُستمتِعًا بقربها اِستمتاعًا جمًا كبيرًا. بعيدًا كل البعد عن المُدن المزدحمة بالسكان، والمكتظة بالمباني والعمال، بعيدًا عن ضوضاء أبواق السيارات وصُراخ الباعة المتجولين، بعيدًا عن مشاجرات أصحاب المحلات الذين لا يعرفون معنًى للراحة أو الإجازة إلا ما ندر. يُعزى ذلك بظني إلى أنها بِطُمأنينةٍ بالِغة الشفافية والعطفِ والرِقة تُخفف عن عباد الله من المتألمين والمحزونين بإصغائها وصمتها العالي العظيم. لذلك نقطع المسافات الطويلة باحثين عنها وساعين تائقين إليها غير آبِهين بِناقعات الطريق وعوائق السبيل. الشمس هنا بشعاعها الذهبي الباهر تُبهج القلب المتألم الحزين، أشعر بهالتِها القوية تُحيط بي وتنفذ بخيوطِها الرهيفة المُمتدة من الفضاء الواسِع إلى أعماق كياني، ينحدِر قُرصها المُعلَّقُ في السماء الرحبة رويدًا رويدًا نحو الغروب. كما هو حال مُعظم الأشياء، لا بد من الأفول والرحيل نحو آفاق المجاهيل، وهذا هو حالُنا نحن البشر، لا بد من يومٍ ينقطِع فيه النَفَس، وتسكُن فيه الروح وتخبو شُعلة العمر مُعلِنةً النهاية والأفول الأخير. 

لِأكون في تمام المِصداقية والأمانة معكم، لا يروقني الكثير مما أكتب، ظنًا مني أنه لا يرقى للنشر، وهذا في الحقيقة عين الصواب، ولكنني أكتب على أي حال، لستُ أدري على وجه اليقين لماذا؟، ولكني اعتبرها حاجةً وجودية في حياتي المتواضعة، رغبة جامِحة تُلِحُّ علي لِأنفُض غبار المآسي والسنين، لِأنتفض من تموضعي الضيق، لِأستمع إلى نفسي تتحدث إليّ، لِأرى أفكاري وخواطري بعيون اللغة عبر منظار الحروف، ولِأتَعَرّى أمام ذاتي بكل نقائصي وشمائلي. لا يسعُني حقًا أن أذكر الأسباب، لأن تعبيري ببساطةٍ شديدةٍ لا يُسعفني، ولا يرقى لوصفِ متاهات النفس واللغة، كل ما يُهم هو أن أُخفف من وطأة الحياة على صدري عبر الكتابة، ولو كانت صياغة ما أكتب في أحايين كثيرة ينتحي إلى الابتذال والانغلاق بشكلٍ من الأشكال. أما بِخصوص قِصتنا فقد وصلنا إلى بر الجزيرة بعد يومٍ ونصفٍ من التموج فوق بِساط المحيط الهندي الأزرق. كانت الرحلة البحرية في غاية الجمال وقِمة الإرهاق والتعب.

كُنا بوعينا كالسكارى الخاشعين من شدة الإنهاك. نِلنا ما سعينا إليه، ونال مِنا مسعانا حتى هوت أجسَادُنا إثر الإعياء والجُهد الطويل الشاق. لم تكن السفينة مليئةً بالحمُولة بِقدر ما كانت قلوبنا ثقيلةً فوق ظهرها. كنا نحمل الهم والأسى أثقالًا مُضاعفةً في الأعماق حتى ليظُن أحدُنا في جوفه أننا سنغرق قبل الوصول مودعين هذا العالم البائس المُبئِس الذي لطالما تُهنا في أزقته ومتاهاته لسنواتٍ طويلةٍ ونحن ما نفتئ نشعر أننا مُكبَّلِين بوهم البحث عن الحقيقة المُثلى ونضطرم متأججين في ليالينا الحالكة بعذابات الوجود الضارية.




الاستديو


شاركنا بتعليقك