أدى عدم تجاوب المسؤولين اللبنانيين مع كل الجهود والمبادرات العربية والدولية الهادفة إلى تشكيل الحكومة إلى وضع البلاد أمام مصير مجهول.
فمنذ أكثر من 8 أشهر لا يزال لبنان الغارق في أزماته من دون حكومة، فلم يستطع رئيس الوزراء المكلف تشكيل سعد الحريري إعلان تشكيلته بسبب خلافه مع رئيس الجمهورية ميشال عون، كما أن الحكومة المستقيلة برئاسة حسان دياب ترفض القيام بأدنى واجباتها التي يفرضها عليها القانون بتسيير أمور الناس وإدارة شؤون البلاد.
وبين هذا وذاك يدفع المواطن اللبناني الثمن الذي لا حول له فيه ولا قوة، فالليرة فقدت قيمتها وبالتالي الرواتب مهما كانت عالية لم تعد تؤمن الطعام والشراب، والبنوك تحتجز له ما جمعه للأيام السوداء وعندما أتت لم يستطع الاستفادة منها، والاقتصاد معطل بشكل شبه كامل ومئات الشركات والمؤسسات أقفلت أبوابها ورغم هذا كله لا حلول في الأفق.
لكن رغم ذلك لم يترك لبنان وحيدا كما يحاول سياسيوه الترويج، بل على العكس شهدت الساحة اللبنانية مبادرات دولية عديدة في محاومة للمساعدة، لكنها اشترطت الإصلاح وخطة طريق واضحة.
يأتي هذا لأنه أصبح لدى جميع الدول رؤية واضحة أنه مهما كان حجم المساعدة التي يتلقاها البلد ستنتهي بجيوب الفاسدين، كما حدث في السنوات الثلاثين السابقة حيث كانت تتدفق الأموال من كل حدب وصوب ولم يستطع مسؤولوه من بناء لا اقتصاد ولا بنية تحتية ولا دولة قابلة للحياة.
وأصبحت هذه الأموال في جيوب نسبة قليلة من المنتفعين فيما ترك الشعب اللبناني يواجه فقرا وعوزا، برزت تجلياته الفاضحة فيما يجري اليوم.
وأولى المبادرين كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي زار لبنان بعد يومين من تفجير مرفأ بيروت في 6 أغسطس/آب الذي اتفق مع مسؤولي لبنان على مبادرة اقتصادية مالية إصلاحية لإنقاذ لبنان من الأزمة من 40 بندا وافق عليها الجميع حينها.
كان أهمها تشكيل حكومة تسمى "حكومة مهمة" مؤقتة، لا تتعاطى في القضايا السياسية وتتجنب المسائل الخلافية التي تقسم اللبنانيين، على أن تباشر "حكومة المهمة" فورا بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي، للإنقاذ المالي للبنان، وأن تتفاوض أيضا مع دائني لبنان الخارجيين.
والأهم أن تباشر بإقرار إصلاحات جذرية في مؤسسات الدولة وسلطاتها لإعادة كسب ثقة الشعب والمجتمع الدولي، بالإضافة إلى وعد بأن يقوم ماكرون الذي فعل اتصالاته مع الدول العربية والغربية بإطلاق مؤتمر عربي-دولي لمساعدة لبنان.
وكان من المقرر، حسب الخطة، أن تتشكل حكومة في غضون 3 أسابيع، وبالفعل في 31 من الشهر نفسه، جرى تكليف السفير اللبناني في برلين مصطفى أديب بتشكيل الحكومة، ضمن المواصفات التي طرحها الفرنسيون ووافق عليها القادة اللبنانيون، إلا أن تدخل "حزب الله" ومحاولة فرض شروطه دفعت أديب إلى الاستقالة.
ووجه اعتذار أديب عن تشكيل الحكومة، الضربة الكبيرة الأولى للمبادرة الفرنسية.
وفي الـ22 من أكتوبر/تشرين الأول 2020، جرى تكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة بموافقة إدارة ماكرون على أن تكون "حكومة مهمة" لمدة محددة، تنحصر مهمتها ببندين هما: وقف الانهيار، وإعادة إعمار أحياء بيروت التي تضررت جراء الانفجار.
وبدأت رحلة الحريري لتشكيل الحكومة على قاعدة أن التشكيلة ستكون مصغرة من 18 وزيرا خالية من حزبيين، ومؤلفة من شخصيات مستقلة تتمتع بالكفاءة والنزاهة.
لكن المناورات السياسية المتعارضة في البلاد، أعاقت التشكيل وعادت القوى اللبنانية إلى لعبتها المعهودة بالتحاصص ودخل رئيس الجمهورية ميشال عون عنوة على خط تشكيل الحكومة، ليحول دون تمكن الحريري من اختيار كامل الأسماء المسيحية في الحكومة التي تتشكل مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.
وفيما ينص الدستور على أن رئيس الحكومة المكلف يتشاور مع الكتل النيابية ويقدم تشكيلة الحكومة لرئيس الجمهورية للتوقيع عليها أو رفضها، يطالب عون بأن يكون شريكا في التشكيل وهو ما يشكّل خلافا في مقاربة مسار التشكيل.
واستمرت الدوامة وبعد احتدام الخلاف بين عون الحريري إلى حد انقطاع التواصل وزاد الفرنسيون ضغوطاتهم وهدد وزير الخارجية الفرنسي بفرض عقوبات أوروبية على جميع المعرقلين وفضحهم.
وترافق العمل الفرنسي مع زيارات قام بها مساعد أمين عام جامعة الدول العربية الى لبنان، ووزير الخارجية المصري سامح شكري اللذين أكدا بدورهما على ضرورة الإسراع بتشكيل الحكومة داعين إلى احترام الدستور وداعمين بشكل مباشر للمبادرة الفرنسية وبشكل غير مباشر للحريري.
ومن ثم مبادرة رئيس البرلمان نبيه بري الأخيرة التي تنطلق من المبادرة الفرنسية لكن تقضي بتأليف حكومة من 24 وزيرا، من دون ثلث معطل، لكن حتى الآن لم ينتج عن كل الحراك أي إيجابية، ولا يزال الحريري وحلفاؤه يؤكدون أن عون وصهره باسيل يتحملون مسؤولية التعطيل.
يأتي هذا فيما ترفض مصادر في "التيار الوطني الحر" في حديثها لـ"العين الإخبارية" وضع الحراك العربي في خانة المبادرات متهمة الوزير المصري بالانحياز إلى جانب الحريري ومعتبرة أن مساعد أمين عام الجامعة العربية عرض فقط كيف يمكن المساعدة".
ويعتبر المحلل السياسي جورج شاهين أنه إذا بقيت موازين القوى من الطبخة الحكومية على ما هي عليه، ولم يتراجع أحدهم عن سقفه العالي، فإنّ معظم المبادرات المطروحة، ومن بينها الفرنسية، ستدخل مدار الخطر الشديد".
ويقول شاهين لـ "العين الإخبارية": "إذا بقي بعض اللبنانيين مصرين على النظر إلى الجهود المبذولة وكأنّها لإنقاذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من ورطة ما، فهم واهمون. فلولا بعض الجهود العربية المكمّلة لها، لكان الفرنسيون قد جمّدوا نشاطهم منذ فترة".
وكشف شاهين لـ"العين الإخبارية" أن "البحث الجاري في بعض البعثات الدبلوماسية المعتمدة في لبنان عن الأصول الدستورية التي تحكم عملية التشكيل، زاد نسبة الشكوك في إمكان تقريب وجهات النظر بين اللبنانيين وفق المبادرات المعلنة، وتلك التي بقيت في الكواليس".
ولفت إلى أنه "في اعتقادهم، أنّ ما يبرز من خلافات في تفسير مواد دستورية بين رئيس الجمهورية والمحيطين به من جهة، والحريري من جهة أخرى في فترة من الفترات، يؤكّد ذلك".
وأضاف: "الأخطر، أنّ ما هو متوقع من تطورات تزيد الأمور تعقيدا، ومنها ما انتهت إليه مهمة شكري في بيروت".
وأشار إلى أن "شكري أسرّ إلى بعض أصدقائه اللبنانيين، أنّه بزيارته إلى بيروت، وبعد استطلاع آراء الأمريكيين وأصدقاء دوليين وخليجيين آخرين وبالتشاور مع الجانب الفرنسي، فقد تمنّى على نظيره الفرنسي التريث في إعلان مواقف أكثر حدّة مما أطلقه إلى اليوم. وهو بذلك يحاول منع الجانب الفرنسي من بلوغ مرحلة الانسحاب واللاعودة".
واعتبر شاهين "أنّ شكري يترقب قرارا فرنسياً حاداً لا يقارب ما يُشاع عن مجموعة العقوبات التي جرى الحديث عنها في الأيام القليلة الماضية، بمقدار ما يتجاوز هذه المحطة لنفض اليد من المبادرة الخاصة بلبنان وتجميد مساعيها".
وهي حسابات لا تمسّ الجانب الفرنسي بأي خطر، بل هي تهدّد القضية اللبنانية وما يمكن أن يؤدي إليه انحسار الاهتمام الدولي بها، إلى درجة عدم الاكتراث بما سيؤول إليه الوضع نتيجة تنامي الأزمات وتشابكها إلى درجات خطيرة، تضع البلد وكيانه ومؤسساته على شفير الانهيار."
واعتبر أنه "بالنسبة لمن لا تكفيه الإشارات المصرية التي أسرّ بها رأس الدبلوماسية المصرية باسمه وبالإنابة عن شركائه الفرنسيين والمهتمين الأمريكيين والعرب، فإنّ الإصرار الذي عبّرت عنه مواقف رئيس الجمهورية وما تلاها من تسريبات عن النية في اتخاذه إجراءات حادّة في حق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في الساعات الأخيرة، أشارت بما فيه الكفاية، عمّا هو منتظر من تدهور مريع للوضع".
وختم بالتأكيد على أن "إنهاء زيارة وزير الخارجية المصرية، وبطلان ما يؤشر إلى إعطاء السياسيين زيارة الأمين العام المساعد للجامعة العربية حسام زكي أي أهمية تُذكر، دفعا إلى توقعات سلبية، وسيعززها تجميد الاتصالات التي أجراها عدد من السفراء من أصدقاء المبادرة الفرنسية، نتيجة لما أصابهم من يأس وقنوط من إمكان تصويب البوصلة، وبالتالي توقف المبادرات ودخول مرحلة العزل الشامل".
واليوم تتجه الأنظار إلى ما قد ينتج عن دخول الولايات المتحدة على خط الأزمة اللبنانية، عبر وكيل وزارة الخارجية الأمريكية ديفيد هيل الذي التقى مسؤولين لبنانيين في بيروت داعيا إلى معالجة "الأزمة السياسية والاقتصادية المؤرقة".
وقال بعد لقائه رئيس البرلمان نبيه بري إن "الأزمة ناتجة عن تراكم عقود من سوء الإدارة والفساد وفشل الزعماء اللبنانيين في تغليب مصلحة البلد".
ولفت إلى أن "أمريكا والمجتمع الدولي مستعدان للمساعدة، لكن لا يمكننا فعل شيء مؤثر دون شريك لبناني"، وأكد أنه "يتعين على السياسيين اللبنانيين إبداء المرونة المطلوبة لتشكيل حكومة قادرة على القيام بإصلاح حقيقي".