أثارت عملية تنفيذ حكم القصاص بحق أباء قتلوا أبنائهم في السعودية واليمن جدل واسع في الأوساط المجتمعية، ليطرح تساؤل : هل يقتل الأصل بالفرع؟
وتسببت عملية إعدام النعامي قاتل بناته الثلاث يوم أمس في ميدان التحريربالعاصمة صنعاء، جدل واسع بين المواطنين، من منطلق كيف يقتل الأصل بالفرع؟، وطرحت العديد من المبررات لهذه الجريمة الشنيعة، منها الحالة النفسية والوضع المعيشي الذي كان يمر به القاتل لحظة تنفيذه لجريمته.
وكان المجتمع السعودي قبل أيام شهد جدل واسع، إثر قضية مماثلة لقضية النعامي، حيث نفذت وزارة الداخلية السعودية حكم القتل «حد الغيلة» في السعودي محمد سويدي ؛ لإقدامه على قتل ابنه عبدالله البالغ من العمر 10 سنوات، وذلك باستدراجه إلى مكان مهجور لا يستطيع معه الغوث ونحره بسكين وطعنه طعنات عدة، ما أدى إلى وفاته. وتم تنفيذ حكم القتل حداً بالجاني اليوم الثلاثاء 20 / 10 / 1442هـ في إصلاحية سجن جازان بمنطقة جازان.
فيما يلي يقدم لكم "المشهد اليمني"، عدد من الأراء والفتاوى الشرعية بالأدلة والتعليل لهذه القضية.
فوفقاً للقانون اليمني ، فقد وردت مادتين قانونيتين هما المواد ( 59 - 233 ) من قانون العقوبات الوطني والتي نصت على التالي :
المــادة(233): اذا اعتدى الاصل على فرعه بالقتل او الجرح فلا قصاص وانما يحكم بالدية او الارش ويجوز تعزير الجاني في هذه الحالة بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات او بالغرامة في القتل وبالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة اشهر او بالغرامة في الجرح مالم يحصل عفو .
المــادة(59): لا يقتص من الاصل بفرعه وانما يحكم بالدية او الارش على حسب الاحوال .
وذكر باحثون حقوقيون أن عدم وجود النص القانوني الرادع للحالات الشاذة من الأباء المعتدين على أبنائهم، تسبب في انتشار جرائم قتل الابناء من قبل الاباء .
وأكدوا أن الأصل القاتل للفرع يستوجب إنزال أشد العقوابات به، وليس ظرف مخفف، لأن قتل الاصل لفرعه جريمة بشعة وخيانة تستوجب التعزير الصارم والعدالة.
وأوضح مختصون وشرعيون أن الأب لا يقتل قصاصا عند قتله لابنه استنادا للحديث النبوي: (لا يقتل والد بولده)، لافتين إلى أن جمهور العلماء والمذاهب أكدوا على هذه النظرية الفقهية مبينين أن القتل للوالد إذا أقر من قبل القضاء فلا يكون إلا تعزيراً.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ، إن دليل الحديث المشهور: "لا يقتل والد بولده" ، هذا من الأثر، ومن النظر : أن الوالد سبب في إيجاد الولد، فلا ينبغي أن يكون الولد سببا في إعدامه.
وذكر بن عثيمين أن الحديث قد ضعفه كثير من أهل العلم ، فلا يقاوم العمومات الدالة على وجوب القصاص ، وأما تعليلهم النظري ، فالجواب عنه أن الابن ليس هو السبب في إعدام أبيه، بل الوالد هو السبب في إعدام نفسه بفعله جناية القتل.
وأكد الشيخ بن عثيمين أنه من الصواب أن يقتل الأب بالولد، والإمام مالك ـ رحمه الله ـ اختار ذلك، إلا أنه قيده بما إذا كان عمدا، لا شبهة فيه إطلاقا ، بأن جاء بالولد وأضجعه وأخذ سكينا وذبحه ، فهذا أمر لا يتطرق إليه الاحتمال ، بخلاف ما إذا كان الأمر يتطرق إليه الاحتمال فإنه لا يقتص منه ، قال: لأن قتل الوالد ولده أمر بعيد ، فلا يمكن أن نقتص منه إلا إذا علمنا علم اليقين أنه أراد قتله .
وأوضح الأستاذ في جامعة أم القرى الدكتور إحسان المعتاز أن الحديث الشريف الذي يقول: (لا يقتل والد بولده)، جاء لأن الأب غالبا لا يقتل ابنه، وإنما يحدث ذلك عن طريق القتل الخطأ أو بسبب التربية.
وشبه ذلك بسيارة الشخص ذاته إذ لا يقوم بتكسيرها حتى نحذره، ولذا فإن الحديث جاء لأن هذا العمل لا يحدث كما يظنه البعض، لأن العقل يستنكر قتل الأب لابنه الذي رباه وتعب عليه، منوها بأنه وفي حال وجود مثل هذه الحالات وعرف الأب بجرمه وتفننه في التعذيب وخروجه عن الفطرة فهذا مرجعه إلى القضاء.
وقال يحكم القاضي إن ظهرت له حيثيات القضية بالقتل أحيانا على الوالد، مبينا أن القتل إن تم فلا يكون إلا تعزيرا لأنه لا قصاص عند قتل الوالد لولده.
ولفت إلى أنه لا يجوز تجاوز الحدود في ملك الإنسان أو في تربيته لأبنائه، لأن كل شيء يتم وفق ضوابط.