ربما قد يبدو الأمر داخلياً يعني بشؤون إيرانية بوصول المتشدد إبراهيم رئيسي إلى رئاسة الجمهورية، إلا ان طبيعة المشهد
وإدارة الصراع الذي دأبت عليه طهران ، تربط تطورات ذلك الامر بقطار دول المنطقة وخصوصا عند المنطقة العراقية التي تعد الساحة الأكبر لنفوذ مليشياتها.
ويرى بعض المختصين بالشأن الإقليمي والدولي، ان تطورات المشهد الجديد في إيران بنسخة "رئيسي"، ستدفع إلى جملة متغيرات على مستوى النزاع الدائر بين طهران واشنطن، وانعكاسه على ضبط أذرعها العسكرية التي تمتد عبر أكثر من دولة ونوع التكتيك الذي ستتبعه في المستقبل القريب.
ويؤكد هؤلاء أن تجليات ذلك الأمر وتطورات المشهد، ستظهر بشكل جلي وواضح من خلال مستويات التصعيد أو التهدئة التي تتبعها المليشيات العراقية الموالية لطهران في مهاجمة المصالح الأمريكية وقواعد التحالف الدولي.
فيما يذهب البعض الأخر ، إلى أن تغيير الرؤساء في إيران وبغض النظر عن أوزانهم السياسية والدينية، لن يكون له أي تأثير على الداخل العراقي، كون السياسة الخارجية وخصوصا ملف "المليشيات"، تدار بشكل مباشر من قبل المرشد خامنئي.
ويعد إبراهيم رئيسي (62 عاماً)، أحد الشخصيات المتشددة في تيار المحافظين، والأقرب إلى المرشد الإيراني علي خامنئي وربما سيكون خلفه مستقبلاً بحسب مراقبين.
وعقب إعلان فوزه بالانتخابات الرئاسية بنسبة تجاوزت الـ 62% ، أبدت الولايات المتحدة عن انزعاجها من وصول هكذا شخصيات متشددة، فيما شككت بنزاهة تلك الانتخابات.
ونددت منظمة العفو الدولية ، فور إعلان فوز رئيسي بالانتخابات، متهمة إياه بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية"، بحق معارضين لنظام "الثورة"، أبان زمن المرشد السابق روح الله خميني في ثمانينات القرن الماضي.
البحث عن قيادات بديلة
يقول رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، إن "سياسة إيران لن تختلف باتجاه العراق مع وصول إبراهيم رئيسي، وستبقى على ما كانت عليه سابقاً بالنظر إلى البلاد أحد أهم مجالاتها الحيوية والتعامل معها على اساس الدولة التابعة".
ويوضح الشمري، خلال تصريحاتخاص لـ"العين الإخبارية"، إن "الرئيس المتشدد سيبقى يتعامل مع العراق وفق المنظار المتبع من قبل اسلافه السابقين ولكن مع الفارق في قدرته على ضبط ايقاع المليشيات بحكم مكانته في الحرس الثوري وانتماءه العالي لتيار المحافظين".
ويستدرك في القول، ان "انحدار رئيسي السياسي والديني هو احد العوامل التي دفعت المرشد خامنئي لترشيحه نحو كرسي الرئاسة بغية إعادة تموضع الكثير من الملفات وخصوصا الأذرع العسكرية خارج إيران وهو ما سيسعى إلى العمل عليه خلال عامه الاول من الحكم".
ويوضح الشمري، ان "إيران خسرت كثيراً بسبب المليشيات الولائية في الداخل العراقي ووصل ذلك إلى فقدان الكثير من رصيدها في الشارع الشيعي تحديداً لذا سيسعى الرئيس الجديد إلى البحث عن حلفاء جدد من خلال البحث عن قيادات بديلة يوضع لها تكتيك وأليات جديدة قد تكون مختلفة عما كانت عليه تلك القوى المسلحة سابقاً".
ويتابع: " أن القيادات البديلة سيتم اختيارها من المنظومة السياسية العراقية القريبة من إيران وهم يمثلون المستوى الثاني ما بعد القيادات التقليدية لتلك المليشيات".
وتدفع انشغالات القيادات التقليدية في المضمار السياسي، إلى مضي رئيسي في تهيئة البدلاء كما يقول الشمري، منوهاً أن "ذلك لايعني عزل حلفاء الامس ولكن ليس بالضرورة ان يكونوا لاعبين في صدارة هذا الملف".
ويعقب قائلاً "خلال الماضي القريب شهدنا رغبة إيرانية بتخفيف الدعم عن الفصائل المسلحة التقليدية في العراق وهو ما يؤكد وجود تخطيط مسبق من قبل طهران لتحريك المواقع واستبدال الأسماء".
وبشأن الهجمات التي تشنها المليشيات ضد مصالح واشنطن ، يلفت رئيس مركز التفكير السياسي، إلى ان "ذلك الأمر متعلق بما تحققه إيران من تقدم مع الدول الغربية بخصوص ملفها النووي إذا ما حصلت أي انفراجه ستكون التهدئة هي الخيار وربما حتى الوجود الأمريكي في العراق لن يكون ضمن ورقة الصراع".

تحت عباءة المرشد
المحلل السياسي ، ماهر جودة، يقلل من وجود تأثير للرئيس الإيراني الجديد في إدارة ملف الأذرع العسكرية لطهران خارج حدود دولتها، لكون ان ذلك الأمر يشرف عليه الحرس الثوري وتباعاً هو مرتبط بتوجيه مباشر من المرشد عي خامنئي.
وبصعود الرئيس المحافظ ورجل الظل حتى الأمس القريب، تنكشف رغبة المردش الإيراني في السيناريو الذي تريد ان تؤديه طهران ازاء ملفاتها العالقة مع دول المنطقة والغرب كما يقول جودة.
ويتوقع "جودة"، أن نشهد تصعيداً في عمليات الاستهداف التي تهاجم المقار الأمريكية في العراق كورقة تستخدمها طهران للضغط على الدول الغربية ومن خلفها واشنطن بغية تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية من بينها الملف النووي وتخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ 6 سنوات.
ويقترب من ذلك الرأي، رئيس المجموعة المستقلة للأبحاث، منقذ داغر، إذ يرى أن إيران تعتمد سلاح الأذرع المسلحة في إدارة صراعها بالمنطقة وبالتالي ان قوتها الرئيسة بقيت تدام وتدار من منصة المرشد وليس عبر طاولة الرؤساء.
وليس الموضوع محصور بالأذرع المسلحة وصناعة المليشيات فحسب، وإنما السياسة الخارجية لطهران تقع في ذمة المرشد، كما يقول داغر.
ويستشهد رئيس المجموعة المستقلة ، خلال حديث لـ"العين الإخبارية"، بحادثة سجل من خلالها اعتراض وزير الخارجية محمد جواد ظريف والتهديد بالاستقالة على خلفية قيام رئيس فيلق القدس السابق قاسم سليماني، قبل 4 سنوات بجلب الرئيس السوري بشار الاسد إلى طهران دون علمه.
ورغم كل ذلك يشكل وصول "رئيسي" إلى سدة الحكم في طهران، كما يرى داغر، فرصة لإيران أكثر من كونه تهديد.
ويعقب بالقول: "إيران الآن تعيش أضعف حالاتها وقد استنزفت كثيراً حراء العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية لذا من الممكن أن يقود الرئيس المتشدد بدور رئيسي في عقد صفقة مع الغرب تكون قيمتها اسكات بنادق المليشيات في المنطقة مقابل رفع القيود عن ملفها النووي وفتح السدود الاقتصادية".