كتب/ عبد الرقيب مرزاح الوصابي
من الأساطيرِ اليونانيةِ التي تطِلُّ بقوةٍ في ذاكرتي أثناءَ متابعتي مشروع شقِ طريقِ السنبةِ _ العتبِ ؛ اسطورةُ " سيزيف " الرجلُ الذي اقتضتِ المشيئةُ أن يقضي عمرهُ في حملِ صخرةٍ كبيرةٍ من أسفلِ الوادي حتى يصلَ بها إلى ذروةِ الجبلِ ؛ و كانَ " سيزيف " كلما شارفَ على اجتيازِ آخرِ فاصلةٍ في الجبلِ تهوي الصخرةُ من على كتفيهِ في تدحرجٍ عنيفٍ حتى يستقرَّ بها الحَالُ ثانيةً و ثالثةً و رابعةً .... و عاشرةً في أدنى الوادي ؛ ليستمرَّ في إصرارِهِ و تستمِرُ الصخرةُ في عنادها ؛ حتى تنقضي حياتهُ في تكرارِ محاولاتِهِ التي تبوءُ بِالفَشلِ .
الأكثر قراءة:
====================================
62اسطورةُ " سيزيف " _آنفةُ الذكرِ _ تصوِّرُ حياةَ الكبدِ
و المشقةِ و العَناءِ و توحي بأقدارِ الإنسانِ المخلوقِ في كبدٍ وضرورةِ مجابهتِهِ لِلمَخاطرِ و وعورةِ الطبيعةِ الظالمةِ ؛ في محاولةٍ أكيدةٍ للانتصارِ على كُلِّ الصٍّعوباتِ التي تواجهُ الإِنسانِ الذي اقتضت مشيئةُ اللهِ أن تجعلهُ خليفةً للهِ في الإرضِ حتى يصلحها
و يستكملَ عمارتها و بما يستوجب رضى اللهِ عنه .
و في قريتي " العتب " أفصحتِ الصعوباتِ و الشدائدِ عن أساطيرَ غرائبيةٍ تفوقُ قدرةَ على العقلِ على التَّخيلِ و الإدراك ؛ أساطيرٌ خالدةٌ لا تقلُّ في جودتها الرمزيةِ و قدرتها الإيحائيةِ و التخييليةِ عن مستوى الأساطيرِ اليونانيةِ و العالميةِ ؛ و لعلَّ من أعذبِ تلكَ الأساطيرِ و أصدقها أسطورةُ " مرزاح عوض " و تعني دلالةُ اسمهِ الحميريِّ " السند و الظهير و المُتَّكَئِ " هذا بالنسبةِ لدلالةِ الشقِ الأولِ من اسمِهِ أما " عوض " فمألوفُ المعنى دالاً و مدلولاً ودلالةً و خيرُ دليلٍ على المثابرةِ و التدافعِ في كل دروبِ البرِّ و الإحسانِ .
و هو الرجلُ الخَارِقُ / السوبر مان و صانِعُ المستحيلِ من اللمساتِ الأولى في تنفيذِ مُشروعِ الطَّريقِ و في جميعُ مُبَادَرَاتِهِ تؤكِدُ أنَّ :_
أحلامنا تزِنُ الجبالَ رزانةً
و تَخَالُنَا... جِناً إذا ما ننهضُ
يقفِزُ على المخاطرِ و المصاعبِ و الموتِ في بَسالةٍ مدهِشةٍ و شجاعةٍ نادِرةٍ ؛ كخليةٍ نَحلٍ لا تتوقفُ ؛ مكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ معاً ، يهوي على جلاميدِ الصخورِ الشَّاهِقَةِ مَمدُودَاً بسببٍ من السَّمَاءِ ، و للعلمِ فإنَّ من معانيِّ " السببِ " في معاجمِ العَربيةِ " الحبل القوي "
و حينَ يهوي على الصُّخورِ يَفُتُّ عضدها و يرخي مفاصلها ؛ بثقةٍ عاليةٍ يجري حواريةَ الرجالِ في مواجهةِ الجبالِ و كأنما يُمَرِّرُ أنامِلهُ على أوتارِ كَمَنجَةٍ أزليةٍ ؛ فـ " يا جبالُ أَوِّبِي معهُ و الطيرُ و أَلنَّا لهُ الحديد " .
و حينَ تعجزُ المعداتُ الثَّقِيلةُ عن مواصلةِ سيرها
و تَقِفُ عاجِزَةً عن استِكَمَالِ الشَّقِ و تخشى مَراجيمَ الغَيبِ من فوقها أو تنزلقَ الأرضُ من تحتها لتستقرَ كـ " صخرةِ سيزيف " في أدنى الوادي ؛ حينئذٍ يثبُ أسطورةُ قريتنا لاستكمالِ المهمةِ على ظَهرِ سلالمَ مربوطةٍ و في يديها كلُّ معاني الإصرارِ و على شَفتيهِ أُغنِيَّةٌ للحقولِ و الرَّوَبِيِّ و الأجيالِ ؛ أغنيةٌ كَلِمَاتُهَا تُمَجِدُ الحَيَاةَ و تَملأُ الدنيا سَلَاماً و ابتِساماً .
و أمامَ إصرارِ زندِهِ و عنفُوانِ ضرباتِ مِعولِهِ ؛ تَرِقُ المصاعبُ و تَشِفُّ المخاطرُ و تنصَهِرُ الشَّمَارِيخُ على علوِّ كعبها ؛ و ينحني رغم _جَلالَةِ مقامِهِ _ الجَبلُ
و يُفصِحُ عن أقدَسِ أسرارِهِ ؛ فَنَضحَكُ لأنَّ صَخرةَ
" سيزيف " استجابت لإرادَةِ الحياةِ في أعماقِكَ و غَداً سيبتسِمُ الوجودُ لنا ؛ ونضعُ نقطةَ نهايَةِ السَّطرِ ؛ و إنَّ غداً لناظِرِهِ قريبُ ..
أيها الطَّاهِرِيُّ / الحِميَرِيُّ الأَصِيلُ
سلامٌ عليكَ ، سلامٌ عليكَ
سلامٌ على النورِ في مقلتيكَ
سلامٌ على البأسِ ساعديكَ
سلامٌ عليكَ أيها الرجل الكثيرُ
يومَ ولدتَ و يومَ تموتُ و يومَ تبعثُ حيا .
..............
*قرية العتب تقع في مديرية وصاب العالي، غرب محافظة ذمار باليمن، وتطل على سهل تهامة والبحر الأحمر غرباً.


