أخبار محلية

«أحمد ناجي حسن» العَقلُ المُدَبِّرٍُ و المُهندسُ الخَبِيرُ

يمن دايركت 05/09/2021 07:03 376 مشاهدة
«أحمد ناجي حسن» العَقلُ المُدَبِّرٍُ و المُهندسُ الخَبِيرُ

كتب/ عبد الرقيب مرزاح الوصابي 

كَانَ قد اعتَزمَ مُغَادَرَةَ القَريةِ نِهَائِياً ؛ أعني قريةَ العتبِ ؛ القريةُ الأكثرُ عناءً و المحرومةُ حتى الآن من أبسطِ مقوماتِ الحياةِ الرئيسةِ ؛  هو فقط عَادَ إليها بِقصدِ تَجمِيعِ أَثَاثِهِ و اصطِحَابِ عَائِلتِهِ بعدَ أن قام بِبِنَاءِ دَارٍ لَهُ في مَدِينَةِ الشَّرقِ ؛ في طَرِيقِهِ إلى القَريَةِ ؛ استَرجَعَ معاناةِ أهالي قَريَتِهِ أثناءَ اجتِيَازِهِ نَقِيلاً شَاقاً ؛ فكَّرَ و قَدرَ ؛ و رأى أنَّهُ ليسَ من المنطقِ في شيءٍ ؛ أن يَتركَ أهالي قريتِهِ في ظِلَّ هذِهِ الأوضاعِ طَالباً النَّجَاةَ بنفسِهِ ؛ بينما أَهلهُ و أبناءُ قريتِهِ تلاحقهم الطبيعةُ الوَعِرةُ باللعناتِ صباحَ مَسَاءَ ؛ و هل سيغادرُ كالأخرينَ قَريَتَهُ دونَ أن يُساهمَ في التَّخفِيفِ عنهم و هل سَتمنعهُ هذه الجَبَالُ في وضعِ مُبَادَرَتِهِ و إنفاذِ طُمُوحِهِ في شقَّ طَرَيقٍ يربطُ أبنَاءَ عَزلَتِهِ " العتب " بالعَالَمِ ؛ هَمسَ في قرارةِ نَفسِهِ بجديةٍ " لن تكونَ أنانياً يا أحمد و حتماً لن تعجزكَ هذِهِ الجِبَالُ عن تَنفِيذِ حُلمِكَ و إسعَادِ أهل قَريَتِكَ ؛ و كيفَ تتخلى عنهم و أنت المُهندِسُ الخَبِيرُ بروابطِ هذهِ. العزلةِ و القرى المُتَجَاوِرَةِ و العالمُ بنفسياتِ أهلها و أنت الأكثرُ خِبرَةً بمعالمِ الطَّرِيقِ الجَبلِيةِ و كُلَّ العَوَائِقِ و المَزَالِقِ على جوانبها و كُلِّ الطرقِ و البَدَائِلِ المتاحةِ من و الى القَريَةِ ؛ أنتَ الأعرفُ بها فتعرجاتها محفورةٌ في قَلبكَ و الموانعُ و الصُّخورُ منقوشةٌ على جانبيِّ وجهكَ . 

الأكثر قراءة:

====================================

62

قَبلَ أن يطرُقَ بابَ بَيتِهِ كانَ قد حَسمَ قَرارهُ لن أغادِرَ القَريَةَ أبداً حتى يَكتَمِلَ الحُلمُ بِشَقِ الطَّرِيقِ حتى لو أنجزتُ ذلكَ بمفردي و باظافرِ يديَّ هاتينِ التي أقرعُ بهما بَابَ مَنزِلِيِّ هذا  . 

قضى سَاعَاتٍ معَ أبنَائِهِ ؛ ثُمَّ قررَ أن يغادِرَ المَنزِلَ ؛ كانَ يفكرُ بمكانٍ مُنَاسِبٍ يقضي فيهِ ساعاتِ المَقِيلِ ؛
 و هَنَاكَ حيثُ انتهى بِهِ المَسِيرُ ؛ رأى أَحدَ أبناءِ عُمُومَتِهِ " محمد عبدالله "  و صَدِيقٍ عَزيزُ " قائد عبده " سَلَّمَ عليهما و جلسَ معهما يَتَبَادلونَ الأحاديثَ ؛ و فجأةً عَنَّ لهُ طرحَ مبادرتِهِ عليهم بِشقِ الطَّرِيقِ ؛ عرضَ عليهم الفِكرةَ بالتَّفصِيلِ و ذكَّرَهم بِكُلِّ المُحَاولاتِ المبذولةِ سَلفاً عَبرَ مُؤسساتِ الدولةِ و مرافقها و الخَيبَةُ التي أصابت الجميعِ جَراءَ نُكَوصِ الحُكوماتِ المُتعاقبةِ عن الوَفاءِ بوعودها ، و أكدَ لهم بأسلوبِهِ المُقنعِ أنَّ الصعوباتِ و التحدياتِ لا تُحَلُ بالهربِ منها أو التَّنَصُلِ عن المُسؤولياتِ الملقاةِ على كاهلِ أبَناءِ قَريَتهِ ؛ عددَ لهم مجموعةَ مُبادراتٍ اجتِمَاعيةٍ أعتمدَ فيها الأهالي على ذواتهم و تمكنوا بَعدَ ذَلكَ في تذليلِ الصِّعَابِ 
و شَقِ الطَّرُقِ إلى قراهم ؛ اقترحَ عليهم أن يكونَ لهم شَرَفُ المُبَادرَةِ و إيجادِ حافزٍ جمعيٍّ للبدءِ باستكمالِ هذا الحلم .. 

صَمَتَ مُمعِناً في أحاديثهم ؛ يُغمضُ عَينَيهِ بينَ الحينِ 
و الآخرِ للنَّظرِ في كروكي الطُّرقِ المُوصِلَةِ إلى قَريَتهِ عميقاً في الذهنِ ؛ أيقنَ أنَّ جميعَ الطرقِ مُوصِلةٌ إلى قَريتهِ ؛ و كأنما كان يقيسُ المسافاتِ على حينِ إغماضةٍ من الزَّمانِ و المكانِ ؛ أو لكأنما يَستَعرِضُ في مخيلتِهِ الصَّعُوباتِ و المَخَاطِرِ التي قد تواجههم عَندَ الإصرارِ على تَنفيذِ هذا المَشرُوعِ بِجهودٍ فَرديةٍ ؛ نَاقَشَ كُلَّ النِّقاطِ المَطرُوحَةِ بمنتهى الشَّفَافِيةِ و تمكَّنَ في نِهايةِ الجَلسَةِ منَ التأثيرِ عليهما و اقناعِهما  بالفِكرَةِ
 و ضَرورةِ البدءِ في تنفيذها من صَبيحةِ اليومِ التالي أتفقَ ثلاثتهم على البدءِ بِتنفيذِ مَشروعِ شقِّ الطَّريقِ وأن يكونوا أصحَابَ الضَّربَةِ الأولى و أصحَابَ الخطوةِ الأولى على امتِدادِ الطَّريقِ المَملُوءِ بالعَقباتِ 
و المَخَاطِرِ و المَوانِعِ و الهَواجسِ و الظَّنونِ ، 

و معَ إشراقةِ شَمسِ اليَومِ التالي ؛ وَقفَ الثَّلاثَةُ النَّفَرِ
كالبُنيَانِ أو كَالبَنانِ يَشدُ بعضهم بعضا و كانت بِدَايةُ مشروعِ طَريقِ السَنَبةِ _ العتب . 

رَجُلُ الإقناعِ و التَّأثِيرِ :_ 

وَسَطَ ذُهُولِ أهالي القَريَةِ و استغرابهم و أمَامَ استِنكَارِ العَابِرِينَ و سِيَاطِ أسئلتهم الجَارِحَةِ و المُشَكِكَةِ بِسَلامَةِ قوى الثلاثةِ النَّفرِ العَقلَّيَةِ و النَّفسِيَّةِ استَمرَّ الثَّلاثةُ في تَمشِيطِ ذؤابةِ الصَّخُورِ الصَلدِةِ و تَسوِيَةِ المَسَاحاتِ المُنبَعِجَةِ و المُتَنافِرةِ لم تثنِ عزائمهم مُحَاولاتُ التَّثبِيطِ أو رُذاذُ الكلامِ السِّلبيِّ المُتَطَايرِ بالقُربِ منهم يَحدُوهمُ الأملُ و يشعِلُ حَماسَ ضرباتهمُ المُتواليةِ الإِصرَارُ و قُدرَةُ المهندسِ" أحمد ناجي "  على الإِقناعِ و التَّأثِيرِ  ؛ فكلما حَاوَلَ مُلاكُ الحُقولِ الزَّرَاعِيةِ إيقافهم عن المُوَاصَلةِ و استِمرَاريةِ الشَّقِ و التَّعبِيدِ ؛ أسرَعَ إليهم المُهندِسُ بَإدبٍ جَمٍّ ليلتزِمَ لهم بعدمِ حُصُولِ أيِّ ضَررٍ للحُقُولِ أو المَحَاصِيلِ الزِّرَاعيةِ الخَاصِةِ بهم ؛ نافياً أيَّ رغبةٍ للعبثِ بِمُمتَلكَاتِ الآخرينَ و تَمَاشِياً في جَبرِ خاطرهم يَختِمُ قِائِلاً " إنما نَشُقُ طَرِيقاً بينَ الأكامِ و الصُّخُورِ و نحرصُ في سبيلِ تَحقِيقِ ذلكَ عدمَ إلحاقِ أيِّ ضَررٍ بالحقولِ و المُمتَلكَاتِ الخَاصةِ فإن كتبَ اللهُ لنا نجاحَ هذا الحلمِ / المَشرُوعِ ؛ أو نُكَونُ في المُقَابِلِ قد قمنا باستِصلَاحِ حُقُولٍ زِراعيةٍ جَدِيدَةٍ لكم و من دُونِ أيِّ مُقَابِلٍ مَادِيٍّ نأخذُهُ منكم  " يَشعُرُ المُلاكُ 
و الأهالي بالرضا أمَامَ رَجَاحَةِ منطقِهِ وقوةِ إقناعِهِ ؛ فيعودونَ إلى منازلهم و ابتسامةٌ مُتوهجةٌ قد ارتسمت على قَسَمَاتِ وجوههم و قلوبهم تَنبِضُ بِالدّعَاءِ الخَالِصِ للفريقِ المُتطِّوعِ لإنجَازِ هذِهِ المُهمةِ المُقَدَّسَةِ . 

التفكيرُ بإيجابيةٍ و إيجادُ البدائلِ 

و حينَ داهمتهُ الأسئلةُ و أوجعتهُ الشُّكوكُ القائلةُ " ماذا لو لم يوافق ملاكُ الأرضِ في القرى المُجاورةِ بالتنازُلِ عن أراضيهم لصالحِ تمريرِ الطَّريقِ إلى قريتنا ؟ " فترتئذٍ قالَ إذن نشتري سَيارةً و أقومُ بتفكيكها إلى قطعٍ صغيرةٍ ثُمَّ نقومُ بحملِ أجزائها إلى بدايَةِ المكانِ الذي توقفنا عندهُ و اقومُ بإعادةِ تركيبها و جعلها وَقفاً على الأقلِ لإعانَةِ أهالي القريةِ و حمل بضائعهم و بذلكَ نكونُ قد قمنا بالتَّخفيفِ عليهم وعثاءَ الطريقِ و لو بمقدارِ  نِصفَ المَسَافةِ " 

و حين تُوضعُ في طريقِهِ المصائدَ و المُوانعِ في محاولاتٍ عابثةٍ لإيقافِ الجُهودِ المُتدافعةِ باتجاهِ إنجازِ الحُلمِ ؛ يَثِبُ دونَ استرخاءٍ أو تكاسلٍ للإقناعِ و التأثيرِ و كشفِ الشبهاتِ و تعريةِ الأكاذيبِ و حينَ يستعصي عليهِ ذلكَ يبادرُ بالاستعدادِ للتَّعويضِ من حُرِّ مالِهِ أو الإلتزامِ بالقيامِ بِتنفيذِ ما يقترِحُهُ أهالي القرى المجاورةِ ؛ من رفعٍ للمخلَّفاتِ و تجميعِ الأحطابِ و الحفاظِ على عيونِ المياهِ الجاريةِ من الإتلافِ أو الردمِ . 

الطَّريقُ تعرِفُهُ جيداً ؛ تَتَوقُ لِخطواتِهِ و تكونُ في أَشدِ اللهفةِ لأفكارِهِ و لَمساتِهِ الحانيةِ المُبدِعَةِ ؛ و كذلك الجروفُ و الكهوفُ ما زالت تحصي أنفاسَهُ و استرخاءَهُ سَاعَةً من نهارٍ لاستِجماعِ قُواهُ لاستِكمالِ التَّخطيطِ و الإِشرَافِ وصولاً إلى قلبِ الهدَفِ .

هذا الناجي 
ولد العمِ أحمد ناجي ؛ إنٌِهُ يُدهِشُني بصمتِهِ السَّاحِرِ ؛ إنَّهُ يسحَرُنِي ببصَماتِهِ المُدهِشَةِ ، المحاورُ الذَّكِيُّ ؛ 
و المُناوِرُ اللبيبُ ؛ يَقيسُ المَسَافاتِ و الأبعادَ ؛ و يٍسقِطُ كلَّ ذلكَ على حَوائطِ ذاكرتِهِ قبلَ أن يستخدمَ الأوراقَ و الأقلامَ ؛ الصَّامِتُ حدٌَ الدَّويِّ و النَّاطِقٍ حدَّ الهمسِ و الخُشُوعِ ؛ يُبَادِرُ و يَتَفانى هذا الرَّجُلُ الخارِقُ و الإنسانُ الكَثيرُ ؛ و من أجلِنَا نسيَ ذاتهُ ؛ فكانَ فينا نعمَ القَائدِ و الموجِهِ الهُمامِ  .

وكان لنا بإصرَارِهِ و إرادتِهِ طَريقٌ إلى المُستقبلِ ؛ نضعُ _حالياً _ اللمساتِ الأخيرةِ منهُ ؛ حتى نُشرِعَ في حُلمٍ آخر . 

منتصف طريقِ السَّنبةِ 
الساعة 30 :10
الأربعاء 11 / 8