آخر الأخبار
أخبار محلية

"أسمع أصواتا وأكلم نفسي".. منظمة تكافح مرض "الذهان" في اليمن

تحديث نت 16/11/2021 12:15 241 مشاهدة
"أسمع أصواتا وأكلم نفسي".. منظمة تكافح مرض "الذهان" في اليمن

الحياة القاسية في حجة تزيد من الأمراض النفسية بين اليمنيين حيث منظمة أطباء بلا حدود عيادة للصحة النفسية
الحياة القاسية في حجة تزيد من الأمراض النفسية بين اليمنيين حيث منظمة أطباء بلا حدود عيادة للصحة النفسية
قلبت الحرب الأهلية في اليمن حياة، حمدان صالح، رأسا على عقب، فبعد أن كان يعمل في قسم الإدارة بقوات الأمن، أصبح واحدا من ضحايا الأمراض النفسية التي أصابت كثيرين ضاقت بهم السبل في مدينة حجة. توقف راتب هذا المواطن وتردت أوضاعه المالية، فألم به الذهان ولأزمه الارتياب، حتى عولج في عيادة أطباء بلا حدود.

ويحتاج أكثر من 9000 مريض إلى خدمات الصحة النفسية في حجة، بحسب السلطات، لكن يرجح أن يكون العدد الفعلي أعلى من ذلك، إذ "عادة ما يستهان باحتياجات الصحة النفسية. وفي أحيان كثيرة، يقطع السكان أكثر من 100 كيلومتر للوصول إلى خدماتنا، ويشير ذلك إلى الحاجة الهائلة لهذه الخدمات في اليمن"، تقول أنطونيلا بوتزي، مديرة أنشطة الصحة النفسية في أطباء بلا حدود.

وتدعم منظمة أطباء بلا حدود مستشفى الجمهوري في حجة لتقديم رعاية الصحة النفسية المتخصصة للمرضى. "ويتسع نطاق الحالات التي نعالجها بشكل كبير، إذ نستقبل أشخاصا يعانون من القلق والأرق من جهة، ومرضى يعانون من أمراض خطيرة مثل الذهان والاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب واضطراب ما بعد الصدمة"، تضيف بوتزي.

"أرى كائنات خيالية"
لم يحتمل حمدان ظروف الحرب التي حاصرته من كل مكان، وحين فقد مصدر دخله الوحيد، بدأ يشعر بأعراض نفسية لم يكن يتوقعها من قبل. "بدأت أشعر بأن الجميع يتآمر ضدي ويحاول أذيتي، وعانيت من الهلوسة، فبت أرى كائنات خيالية وأسمعهم وهم يملون علي الأوامر، كانوا يطلبون مني أن أموت، حتى أنني سكبت الوقود على نفسي محاولا أن أضرم النار في جسدي. غيرت رأيي في اللحظة الأخيرة عندما فكرت بأبنائي".

وتقول بوتزي إن الصحة النفسية تتأثر بالعوامل الخارجية إلى حد كبير، "فكلما كانت ظروف الشخص أصعب، ازداد تأثر صحته النفسية". ولم يؤثر النزاع المسلح في اليمن على صحة السكان الجسدية فحسب، "بل حد أيضا من قدرتهم على الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والغذاء، كما قيد حريتهم في التنقل وحرمهم من حرية التعبير، فتسببت كل هذه العوامل بمشاكل خطيرة وكثيرة على صحة السكان النفسية".

عائلة حمدان لجأت إلى العلاج الروحاني، لقلة الوعي بقضايا الصحة النفسية والسبل السليمة في علاجها، لذلك لم يحدث أي تغيير في حالته الصحية، إلى أن أحيل إلى عيادة الصحة النفسية في مستشفى الجمهوري في 2019.

وتقول الاختصاصية النفسية في منظمة أطباء بلا حدود، رسمية محمد علي، إن " حالة حمدان هي خير برهان على آثار النزاع الاقتصادية والاجتماعية على حياة الناس التي تؤدي إلى إصابتهم باضطرابات نفسية حادة".

وتضيف، أن هناك تحديات كثيرة في التعامل مع الحالات في المدينة، منها النقص في خدمات الرعاية النفسية، والإدارك المحدود لأهمية هذا النوع من الخدمات. مشيرة إلى أن المرضى حين يشعرون بنوع من التحسن بعد تناول الأدوية، "يتركون العلاج ظنا منهم أنهم قد تعافوا، لكن هكذا تصرف قد يؤدي إلى انتكاستهم، وكان حمدان يستصعب المواظبة على أخذ علاجه، لكنه عولج بشكل كامل وصُرف من عيادتنا".

وبعد أن تعافى، اتجه حمدان للعمل في الزراعة في قريته. وبدأ يشعر بتحسن كبير بعد أن عادت علاقته مع عائلته وحياته الاجتماعية إلى مجراها. لقد مضى أشهرا منذ أن زار عيادة الصحة النفسية مع ابنه. ومع خروجه من العيادة، تمنى حمدان ألا يعود إليها مجددا.

يقول حمدان، "لقد عانيت من العوارض الجانبية للعلاج، لكن كان علي أن أتناول الأدوية لتتحسن صحتي، ولو كنت صاحب القرار، لما وافقت على تناول الأدوية، لكننا لا نختار أن نصاب باضطرابات الصحة النفسية".

عليمة حاولت الانتحار
تقول بوتزي "يمكن أن تظهر الأعراض الشديدة للذهان على شكل هلوسة سمعية تطلب من المريض إيذاء نفسه أو يمكن أن يعود سببها إلى معاناة المريض من اكتئاب حاد. وفي حالة الذهان، من المهم فهم التجربة الذاتية للفرد، لأن الهلوسة قد تبدو حقيقية جدا وقد تقترن بقدر كبير من المعاناة".

بعد الطلاق، مرت اليمنية عليمة بفترة صعبة، إذ لم تسمح لها عائلة زوجها السابق برؤية أطفالها الثلاثة. فأصيبت بالاكتئاب بعد أن كانت تعاني أصلا من القلق. كما عانت من اضطرابات في النوم وعزلت نفسها، حتى وصل بها الأمر إلى محاولة الانتحار.

وتقول عليمة، "رأيت ابني مرة من مسافة بعيدة، لكنني لم أستطع الاقتراب به. شعرت بحزن شديد آنذاك، وبكيت لساعات طويلة. قررت في ذلك اليوم أن أقصد اختصاصيا نفسيا، ذهبت إلى عيادة الصحة النفسية في مستشفى الجمهوري في حجة، وتحدثت مع الاختصاصي النفسي لساعات، كانت هذه المرة الأولى التي أدرك فيها أهمية الصحة النفسية وفعالية هذه الخدمات".

لكن عليمة كانت حديثة المعرفة بموضوع الصحة النفسية، حيث تعرفت على خدمات العيادة بالصدفة، حين كانت تجلس في المستشفى بانتظار موعد روتيني لرعاية الصحة الإنجابية عندما سمعت امرأتين تتحدثان عن رعاية الصحة النفسية.

بالنسبة إلى عليمة، لطالما ارتبط مفهوم الصحة النفسية برعاية يحتاجها "المجانين" حسب تعبيرها. فتفاجأت أن هاتين السيدتين تلجآن إلى هذه الخدمة، إذ لا تظهر عليهما علامات تشير إلى إصابتهما مشاكل نفسية. وعندما سألتهما عن الأمر، اكتشفت أنه ليس من الضروري أن يكون الشخص "مجنونا" لالتماس هذه الخدمات. ولم تكن عليمة تعلم أن ظروفها الاجتماعية ستستاء وستلجأ يوما إلى العياة لحمايتها من آثار ما أصابها.

من مريضة إلى ناشطة
في اليمن، يعاني 45 في المئة من المرضى الذين تستقبلهم عيادة أطباء بلا حدود للصحة النفسية من "حالات شديدة". وترتفع هذه النسبة بشكل يفوق التصور، لا سيما أنها لا تتجاوز 5.1 في المئة في سياقات النزاع المسلح الأخرى في العالم، حسبما حددت منظمة الصحة العالمية في العام 2019. "ونظرا لافتقار مدينة حجة والمناطق المجاورة للخدمات، تتم إحالة جميع المرضى الّذين يعانون من حالات شديدة لتلقي خدماتنا، ما يفسر عدد المرضى الكبير في عيادتنا"، توضح بوتزي.

ولأن الوضع متفاقم في حجة، وجدت عليمة نفسها أمام مسؤولية مجتمعية، فلم تتوقف عند حد الحصول على العلاج فقط، إذ أكملت جلساتها الاستشارية الأسبوعية لمدة عام تقريبا في العيادة، لكنها تلجأ إلى جلسات عشوائية كلما شعرت بالقلق، حيث أن "تقنيات الاسترخاء وتمارين تقمص الأدوار" حولتها من امرأة تكاد لا تعرف أي معلومة عن الصحة النفسية، إلى مدافعة عن خدمات الصحة النفسية في محيطها الاجتماعي.

وتقول عليمة "أعرف رجلا في حينا يتعامل بعنف بالغ مع الآخرين، ولا يتذكر أي تصرف في اليوم التالي. شعرت أن تصرفاته يمكن أن تكون عارضا لاضطراب نفسي ما، فنصحت عائلته بالتماس المساعدة واللجوء إلى خدمات الصحة النفسية في المنطقة. إلا أن هكذا خدمات تكاد لا تتواجد في المنطقة النائية التي نعيش فيها، إذ يستغرقني الوصول إلى عيادة الصحة النفسية 45 دقيقة، ومع ذلك هي تبعد مسافة لا أعتبرها بعيدة".

وعلى الصعيد الشخصي، تحسنت حياة عليمة، وبدأت مشروعا جديدا لبيع الحلويات المصنوعة منزليا. والأهم من ذلك، أنها عادت لتتواصل مع صديقاتها وأكملت دراستها الجامعية.

وتقول الاختصاصية النفسية في أطباء بلا حدود، رسمية محمد علي ، "عادت الابتسامة لترتسم على وجه عليمة بعد أن غابت لوقت طويل. لا يمكننا تغيير ظروف الأشخاص، لكننا نستطيع أن نساعدهم على التعامل مع وضعهم بشكل أفضل".

وأضافت أن "كثيرين يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية هذه، لكنها لا تتوفر في أغلب الأحيان. وإذا توفرت في العيادات الخاصة، فغالبا لا يستطيع السكان تحمل تكاليفها. حيث يعاني معظم هؤلاء الأشخاص من الفقر، ولا يستطيعون دفع 3000 ريال يمني لاستشارة مدتها ساعة واحدة".
عزلة وغضب
بدأ أبيلان يتجه نحو العزلة وقضاء أوقات طويلة بعيدا عن أفراد عائلته ومنزله، وكان يستشيط غضبا كلما جالسهم، كما بات يعاني من الهلوسات. وهذا الأمر بات شائعا بين العائلات اليمينية التي تعيش ظروفا قاسية وضغوطا اقتصادية وقلقا من المستقبل.

وتقول بوتزي إن سكان مدينة حجة "اعتادوا على مستويات العنف المرتفعة، واكتسبوا القدرة على تحمل أي تغير قد يطرأ على الظروف، وعليه، فإنهم لا يلتمسون استشارات الصحة النفسية إلا عندما تشتد حدة الاضطرابات النفسية، وتمسي عوارضها واضحة وتعرقل حياة المرضى وعائلاتهم، فلا تشعر العائلة بالقلق أو تلتمس المساعدة إلا عندما يصاب المريض بالاضطراب والقلق أو يهدد بإيذاء الآخرين".

وبالفعل، تغير حال أبيلان وعائلته، فبعد أن كانت تنعم باستقرار مالي، باتت تواجه مشاكل مادية شديدة وأمست تكافح لتدبير أمورها المعيشية. ألمت هذه الخسارة بالعائلة بأكملها، لكن أبيلان (30 عاما) لم يتحمل هذا التغير المفاجئ على الصعيد النفسي.

يقول أبيلان، "لم أكن على ما يرام. كنت أسمع أصواتا وأتكلم مع نفسي، وأشك بجميع من حولي، لازمني الارتياب، ولم أعد قادرا على العمل، كما أصابتني أعراض جسدية عديدة كالأوجاع وتشوش الرؤية، فدفعني ذلك إلى طلب المساعدة، لكن قال لي أحد الأشخاص إنني أعاني من مشاكل في عيناي لا غير".

لجأ أبيلان إلى معالج روحاني لتلقي العلاج، فخضع لشحنات كهربائية للتعافي من دون أي جدوى. ولما لم تجدِ أي طريقة نفعا، طلب المعالج الروحاني من عائلة أبيلان طلب المشورة الطبية. وهكذا آلت الأحوال إلى دخوله إلى عيادة الصحة النفسية في مستشفى الجمهوري في مدينة حجة.

شخصت إصابة أبيلان بمرض الذهان الذي يدفع المريض إلى الانعزال عن الواقع. فبدأ بعلاج يقوم على الأدوية والجلسات الاستشارية. وبعد بضعة أشهر، بدأ يشعر بالتحسن. ويقول إنه بات يشعر "كأن ثقلا قد أزيح عن كاهله، وأن المشاعر الغريبة في داخله اختفت. فصر ف من عيادة الصحة النفسية".

ويستند أبيلان على المثل اليمني "اسأل مجربا ولا تسأل طبيبا" ويقول، "أود أن أقول لكل من يحتاج خدمات الصحة النفسية أنها نافعة للغاية. لقد غيرت هذه الخدمات حياتي. يمكنني الآن أن أعود إلى العمل ويمكن للحياة أن تعود إلى مجاريها".

بعد أن تعافى، بدأ أبيلان مشروعه الصغير لبيع الخضار، ومع أن الوضع الاقتصادي الّذي تسبب بأزمته النفسية ما زال يدعو للقلق، إلا أن المعالج النفسي الذي رافق أبيلان "متأكد من أنه جاهز الآن للتعامل مع هذا التوتر".

وتقول معالجة أبيلان النفسية، رسمية محمد علي، "اكتسب أبيلان وعائلته فهما للحالة النفسية التي كان يعاني منها. وباتوا على دراية بجميع العوارض، ما يتيح لهم التماس الدعم عند الحاجة. وخلال الاستشارات النفسية، عملنا على تعزيز القدرات والمهارات الداخلية لتسهيل التعامل مع الوقائع الخارجية. سيكون أبيلان على ما يرام".

صمة عار.. ومرضى مقيدون بسلاسل
وتكشف بوتزي أنه عندما تظهر عوارض انفعال شديدة على مرضى الذهان، غالبا ما تلجأ العائلات إلى تقييدهم للتعامل مع هذه الأعراض، فيستعملون أحيانا سلاسل ثابتة يرتديها المرضى لأيام أو أسابيع.

وتقول إنه عندما سُئل الأهالي عن سبب اللجوء إلى هذه الأساليب، شرحوا بوضوح أنهم لا يعلمون كيفية التعامل مع المرضى في اللحظات العدوانية ولحظات الانفعالات الشديدة، لا سيما أن المرضى يشكلون خطرا على من حولهم وهم في هذا الوضع، ما يدفعهم إلى اتخاذ هذه التدابير.

وتضيف بوتزي أنه "حتى لو تعاطفنا مع حاجة الأسرة للسيطرة على الأعراض، علينا أن نأخذ في الاعتبار أن هذه التدابير مجحفة وتنتهك حقوق الإنسان الأساسية، وعليه، يحظى نشر التوعية المرتبطة بالصحة النفسية بأهمية بالغة، لمساعدة الأسر على التماس المساعدة المهنية عندما تواجه هذه الأعراض".

عيادة أطباء بلا حدود للصحة النفسية تتعامل مع حالات شديدة في مستشفى الجمهوري بمدينة حجة بسبب ظروف الحرب في اليمن
مواطن يمني يتحدث مع سيدة أمام عيادة الصحة النفسية التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في المستشفى الجمهوري
وشير إلى أن "نقص الوعي ووصمة العار وجهان لعملة واحدة، إذ يؤدي نقص الوعي إلى وصم الأشخاص وممارسة التمييز والفصل ضدهم، ما يدفع الناس إلى التكتم عن أوضاعهم وزيادة معاناتهم وعزلتهم. وتعاني النساء في هذا السياق بشكل خاص، إذ يثنيهن هذا الوضع عن مشاركة مشاعرهن والتحدث عن معاناتهن النفسية. وبالنتيجة، يصاب الكثير من الأشخاص بالاكتئاب الحاد".

لذلك تجد بوتزي أن من الضروري مساعدة السكان على فهم الاضطرابات النفسية والتعرف إليها، "إذ يوفر ذلك للمرضى وعائلاتهم بعض ما يحتاجونه للتعامل مع الحالات الشديدة".

أفكار مغلوطة.. وتحذير
وتعمل عيادة أطباء بلا حدود في مدينة حجة اليمنية على جعل مشاكل الصحة النفسية طبيعية في المجتمع، عبر المساعدة في تغيير المفاهيم الاجتماعية، ودحض الأفكار التي تربط اضطرابات الصحة النفسية بـ "الجنون"، وتصور المصابين بها على أنهم مصدر "خطر".

وتقول بوتزي إن هذه الأفكار "ترسخ وصمة العار وتزيد من معاناة مرضى الصحة النفسية وأسرهم".

لكنها تؤكد أن هذه المفاهيم "لا تتغير بالسرعة المطلوبة، ولكننا نأمل أن نتمكن عبر التزامنا بعملنا وتبديلنا لممارساتنا من التأثير مباشرة على المجتمع، ليتناول هذه المفاهيم بطريقة مختلفة، وأن يتحقق بذلك تغيير بطيء لكن مستدام".

وتنوه بوتزي إلى أنه "حتى لو انتهى النزاع غدا، فإن تداعياته على صحة السكان النفسية ستلقي بظلالها على السكان لعدة سنوات. وعليه، لا بد من اتباع نهج شامل وطويل الأمد في اليمن يشتمل على خدمات لعلاج المشاكل النفسية التي تلوح في الأفق".

وتحذر من أنه إذا "استهين بمشاكل الصحة النفسية (في اليمن)، يمكن أن تتحول إلى مشاكل مزمنة على نطاق أوسع وتؤدي بالتالي إلى انعزال المصابين باضطرابات. كما يمكن لهذا الوضع أن يلحق ضررا إضافيا بالنسيج الاجتماعي الذي يعاني أساسا من الهشاشة".