2022/10/08 الساعة 06:11 صباحاً (خليجي نيوز- سماهر وفيق )
شعارهم الجامع دعا إلى السيادة الشعبية، والوحدة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، وتحركاتهم العفوية تحولت مع مرور الوقت إلى أفعال مُنظمة، وكان لها ما بعدها..
بقية الخبر أسفل الروابط التالية:
الأكثر قراءة:
«فأصبحت كالصريم» اكتشاف موقع أصحاب الجنة التي أحرقها الله عقاباً لأصحابها، شمال صنعاء اليمن -صور
المعنى الحقيقي والمقصود بكلمة (واضربوهن) في القرآن الكريم؟ (سقط الكذب)
أشخاص ملحدون وضعوا طفلهم فى زيت مغلي عند ولادته ليروا كيف سينقذه الله فجاءهم الرد كالصاعقة!! ستبكي
لا تتلف جهازك التناسلي .. تجنب هذا الخطأ الكارثي الذي يرتكبه الكثير
العثور على فنانة مصرية ميتة وهي ساجدة في الحرم النبوي الشريف -صور
تهز الوسط الفني.. القبض على فنانة شهيرة تمارس الرذيلة مع شاب على سرير زوجها المخرج
احذر وبشدة.. «القاتل الصامت» الموجود في كل المنازل ويدمر الدماغ.. لن تصدق ماهو
بالفيديو - عروس تحدث جدلاً كبيراً في تونس.. بعدما قررت الإحتفال بزفافها بالبيكيني وأدت رقصة الـ ستربتيز (آخر شخلعة)
خطير للغاية.. خلايا الحوثي تصطاد قيادات الشرعية من الكباريهات وشقق السهرات في القاهرة بهذه الطريقة
لون لسانك يدل على هذه الأمراض في الجسم .. اكتشفها قبل أن تندم. تفقد حياتك
توفت زوجته أثناء الولادة دفعه ان يتزوج صديقتها الطبيبة التى ولدتها.. وفى ليلة الدخلة اكتشف مفاجأة قاتلة جعلته ينهار
وجبة ما قبل الجماع.. د.هبة قطب تنصح بتناول هذه الأطعمة11
====================================
283الدرادعة الذين أحالوا حياة الطاغية إلى جحيم
بلال الطيب
لم تكن الـ 14 عامًا الأخيرة من حُكم الإمام الطاغية يحيى حميد الدين هَادئة عليه أو مُستقرة؛ بل تخللتها أحداثٌ عظام، وتحولات حاسمة، وبهزيمة جيشه الحافي أمام القوات السعودية بدأ العد التنازلي لنهايته محرم 1353هـ / مايو 1934م؛ وهي الكارثة التي أدت لارتخاء قبضته، وتَبَدُد هيبته، وضُعف شعبيته، ليبدأ الأحرار (الدرادعة) - كما كان يُسميهم، وهي تسمية خاصة بطائفة من اليهود - يُفكرون جديًا في كيفية التخلص منه، وهو ما حدث بعد مخاضات عسيرة يطول شرحها، سَنُوجزها اختزالًا في السطور التالية.
كيانات تحررية
كانت حرب الانسحاب المُذلة تلك، وتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود بداية ذات العام مع الإنجليز، كانتا - كما ذهب عدد من المُؤرخين - حدًا فاصلًا بين مرحلتين زمنيتين، وهذا لا يعني قطعًا أنَّ حركة المُعارضة اليمنية كانت مُتوقفة قبل ذلك التاريخ؛ فقد ظهرت أصوات فردية محدودة، اكتفت بتقديم النصح شعرًا، ونثرًا، ولم يعرها الإمام الطاغية أي اهتمام؛ بل وراسل بعضهم مُعاتبا: «ما كان أغناكم عما ساقكم الشيطان إليه من إنكار نعمتنا على اليمن، التي لا يوجد مثلها تحت أديم السماء، فاليمن لم تعرف حكمًا كحكمنا من عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب»!
كما وُجِدت - وهو الأهم - حركات فلاحية مُسلحة في حاشد، وحبيش، والعدين، وجبل صبر، والمقاطرة، والقبيطة، والصبيحة، والحواشب، والضالع، والحواشب، ويافع، وردفان، وريمة، وبُرع، ووصاب، وزبيد، وحيس، وصعفان، وملحان، والبيضاء، والعواذل، ودثينة، والجوف، ومأرب، وبرط، وباجل، والزيدية، والزرانيق، وتصدرت في لحظة مُقاومة المشهد، وتصدت للزحوفات الإمامية، وأصلتها كأس المنون. واستمرت إحداها (أقصد هنا مُقاومة قبيلة الزرانيق) حتى أواخر عام 1929م، وهي - أي تلك الحركات - على كثرتها لم تحظَ بالدراسة والتوثيق إلا ما ندر (سنتحدث عنها تفصيلًا في كتاب "الكماشة.. حروب يحيى حميد الدين ضد اليمنيين").
ومن هذا المُنطلق، ومن أجل إزالة الالتباس الذي عمل البعض على تكريسه، سَنُسمي هذه الفترة بـ (مرحلة المُعارضة الفلاحية غير المُنظمة)، وفترة ما بعد الحرب الإمامية - السعودية بـ (مرحلة المُعارضة النُخبوية المُنظمة)، استلهامًا مما ذكره الباحث عبدالعزيز قائد المسعودي ذات قراءة.
أحدثت هزيمة القوات الإمامية أمام القوات السعودية هزة عنيفة في حياة اليمنيين، وكشفت - كما أفاد القاضي الزبيري - عن مساوئ الحُكم الإمامي، وأزاحت الستار عن حقيقة موقف الشعب منه، وانطلقت الصحف العربية تُهاجم الإمام يحيى وسياسته، وتُسلط على حُكمه أضواء النقد اللاذع.
والأكثر أهمية أنَّها - أي تلك الحرب - كانت العامل الأكثر حسمًا في بلورة وعي الأحرار بقضيتهم الوطنية، وصاروا - تبعًا لذلك - أكثر إيمانًا بعدالتها، وأكثر رغبةً في تغيير حال بلدهم إلى الأفضل، وأصبح بعضهم أكثر جدية في تخليص اليمن من براثن حكم الإمامة الكهنوتية وإلى الأبد.
جاءت بعد ذلك حادثة استفراد الإمام يحيى بالحكم، وتوزيعه ألوية اليمن كإقطاعيات بين أولاده 1938م؛ وأخذه البيعة لولده أحمد ليكون وليًا للعهد، وإمامًا من بعده؛ وهو الأمر الذي أحدث شرخًا بين أسرته وباقي الأسر العلوية الطامحة، وبمعنى أصح وسع ذلك الشرخ أكثر فأكثر. وضاعف - في المُقابل - الكراهية في نُفوس الرعايا المُتذمرين من ذلك الوضع أصلًا؛ خاصة وأنَّ أولئك الأبناء - سيوف الإسلام كما هي تسميتهم الشائعة، أو السيوف الأثرية حد توصيف الشاعر الفلسطيني أبو سلمى الكرمي - كانوا أسوأ من أسلافهم، وروي عن والدهم حينها قوله: «لقد كرهني الناس من حين كبروا عيالي»!
مجاعة عامي 1942 - 1943م تُضاف هي الأخرى إلى جُملة الأسباب التي أدت لارتفاع وتيرة مُناهضة حكم الإمام يحيى وبنيه، وكانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ومثلت نقطة تحول فارقة في انتهاج أبطال ذلك النضال لسياسة المُصادمة بَدلًا من سياسة المُهادنة، والتمرد على قداسة الإمام وحقه الإلهي.
وحين ذهب إليه بعض المسؤولين أثناء تلك المجاعة، وقدموا له مُقترحًا بزيادة إنتاج فرن الكُدم، صعَّر لهم خده، ورد على ظهر ذات الورقة: «أحسنتم بالرأي، ما يكفي الخلق إلا الخالق، دعوهم من مات فهو شهيد، ومن عاش فهو عتيق»، فعلق القاضي العيزري - حينها - ساخرًا: «إذا كان الإمام مُصدق بيوم القيامة فاقطعوا رقبتي بحذاء»!
وهكذا، وبعد استراحة مُحارب، لم ينتصف العام 1944م إلا وأصوات أولئك الأحرار القوية تقض مضاجع الطغيان؛ الأمر أصابه بالجنون، فأخذ يُفتش عن بقايا منشور هنا، وعن رسالة مُحفزة هناك، وأتبع ذلك بأنْ زج بالعشرات منهم في سُجونه المُتباعدة.
(هيئة النضال - خلية صنعاء)، ثم (حزب الأحرار الدستوريين)، و(جمعية الإصلاح) في إب، أشهر ثلاثة كيانات تحررية جامعة تصدرت خلال تلك الحقبة المشهد، وانضوى تحت لوائها مئات المُستنيرين، من علماء، وقضاة، وأدباء، وتجار، وعسكريين، وبعض مشايخ القبائل، وعدد كبير من الشباب المُثقف.
أطلق الإماميون على هؤلاء الشباب المُتحمس والمُثقف تسمية (البزغة) انتقاصًا منهم، ودون إدراك أنَّ نهايتهم ستكون بعد سنوات معدودة على أيدي هؤلاء، وأنَّ بعد البزغة نُضوج.
وقبل التعمق في هذه الجزئية أكثر، وجب التذكير أنَّ الأستاذ أحمد حسين المروني سبق أنْ نفى للباحث سيد مصطفى سالم عن وجود كيان تحرري باسم (هيئة النضال)؛ على اعتبار أنَّ البلد حينها لم تكن مهيأة لوجود جمعيات سرية أو تنظيمات بالمفهوم المُعاصر للتجمعات السياسية، وأنَّ المناشط السائدة في ذلك الوقت لم تتجاوز التجمعات المحدودة لبعض المُستنيرين في مجالس القات، وغيرها، وأنَّ نقاشاتهم تجاوزت - قبل أن يُفتضح أمرهم - الفكر والأدب، وصولًا إلى السياسة، وتداول بعض المنشورات الناقدة.
بصفته عضوًا في تلك الخلية، تحدث القاضي عبدالله الشماحي عن تلك المرحلة باستفاضة بالغة فيها كثير من المُبالغة، قائلًا أنَّ صديقه المناضل أحمد بن أحمد المطاع دعا خلال تلك الفترة إلى إيجاد حياة مُتطورة مُتحررة من الإمامة، والحكم المُطلق، وفي إطار الروح الإسلامية الصحيحة، وأنَّه - أي المطاع - قام بداية العام 1935م بجوله تعرفية تعارفية في عدد من المناطق اليمنية لذات الغرض، ليُؤسس في العام التالي ومعه عدد من الأحرار المُستنيرين ما أطلق عليه بــ (هيئة النضال).
المناضل العزي صالح السنيدار تحدث عن تلك المرحلة بإسهاب ماتع؛ ولم يشر إلى وجود كيان تحرري باسم (هيئة النضال)، كان هو الآخر من أصدقاء المناضل أحمد المطاع المُقربين، وشاركه وعدد من رفقاء النضال محنة الحبس في سجن القلعة مايو 1936م، وذلك بعد عامين وأكثر من بدء لقاءتهم السرية في منزليهما، وفي مسجد الجديد، وقال في مُذكراته أنَّ الإمام يحيى أسماهم بـ (الفقاعسة) - أي المُشاغبين - واتهمهم بالإلحاد، واختصار القرآن، تدخل حينها الوسطاء؛ فأفرج عنهم الطاغية بعد أقل من عام.
وأضاف المناضل السنيدار أنَّ صحيفة (الشورى) المصرية تضامنت معهم أثناء محنتهم تلك بعدة مقالات، منها مقال بعنوان (أحمد المطاع وحزبه يدعون إلى الإصلاح)، ومن هذا المنطلق، ولإزالة اللبس القائم؛ سنطلق على هذه المجموعة اسم (خلية صنعاء)، بدلًا من (هيئة النضال).
كان المناضل أحمد المطاع - كما أفاد الشماحي - مُقتنعًا أنَّ انتعاش اليمن، وارتقاءه إلى المستوى اللائق به، وماضيه الحضاري بين الأمم مُتوقف على تخليصه من حكم الإمام، والإمامة، ومن عبث العابثين، والمُستغلين، والمُتعالين بالأنساب.
وحين حانت لحظة ضرب عنق ذلك الثائر بعد فشل الثورة الدستورية، وكان الأمير المُطهر بن الإمام يحيي، وابن أخيه الأمير محمد البدر من جملة المُشاهدين المُتشفين، صرخ في وجهيما - كما أفاد المُؤرخ إسماعيل الأكوع - قائلًا: «لن يُرجى لليمن الخير ما دامت هذه الشجرة الملعونة تحكم اليمن»، ونُقل عنه أيضًا قوله: «نُكبت اليمن بثلاثة أحرف "س - ي - د"»، فهل هناك أوجز وأوفى من هكذا توصيف؟
تحالف مُزدوج
نشأت حركة الأحرار اليمنيين نشأت أول ما نشأت وهي تزخر بالخلافات الفكرية نتيجة لعوامل عديدة؛ لعل أبرزها انحصار انفعالات المُستنيرين في مدينة تعز بالمظالم التي كانت تنصب على الرعوي المسكين، فيما لم تتجاوز انفعالات أقرانهم في مدينة صنعاء التضايق من الكبت الفكري القائم. إلا أنَّ جلال المُحاولة الأولى، ورهبة الحكم الإمامي القاسي، فرض على الجميع تقبل بعضهم بعضا، والانخراط في كيان مُوحد، كان القاضي محمد محمود الزبيري، والأستاذ أحمد محمد نعمان دعامته الأساسية، وأساس وحدته ووحدتنا الوطنية.
عمل الرجلان على كسر كافة الحواجز المُعيقة، وحاولا جاهدين إصلاح النظام الإمامي من الداخل، وفي بداية عام 1941م ذهب القاضي الزبيري إلى صنعاء لتقديم برنامج (جمعية الأمر بالمعروف) إلى الإمام يحيى، وهو برنامج إصلاحي شامل يقع في 22 صفحة من القطع الصغير، ومقدمة كتبها بنفسه، متبوعة بـــ 37 مادة تحت عنوان: (ماذا نريد أنْ نفعل)، وكانت جميع المواد تدور حول التمسك بالإسلام الصحيح، والدعوة إلى تطوير جميع مرافق البلاد المالية، والصناعية، والإدارية، وإزالة الظلم عن الرعية المساكين؛ وهو الأمر الذي أغضب الإمام الطاغية عليه، فشكل لجنة لمُحاكمته برئاسة القاضي زيد الديلمي، وحين تأخر الأخير في إصدار الحكم، وجه بحبسه وعدد من الأحرار في سجن المشبك في جبال الأهنوم.
بعد تسعة أشهر من المُعاناة، وبعد عدد من المُناشدات الاستعطافية، أفرج الإمام يحيى عن القاضي الزبيري وأصحابه ديسمبر 1941م، فتوجه الأخير إلى مدينة تعز، وهناك استقر في منزلٍ استأجره له الشيخ جازم محمد الحروي (منزل الغرباني)، وحاول ورفيق دربه الأستاذ النعمان وعدد من الأحرار المُستنيرين التقرب أكثر من أمير اللواء، وولي العهد أحمد يحيى حميد الدين، لا حبًا في الأخير؛ بل أملًا في إصلاحه، بعد أنْ يئسوا من إصلاح والده.
كان ولي العهد أحمد قد بدأ حينها بالتقرب من رجالات ذلك العهد المُستنيرين، الذين توافدوا إلى مقر إقامته من كل أنحاء اليمن لهذا السبب؛ ولسبب آخر تمثل بأنَّ تعز كانت حينها - كما أفاد عبدالله البردوني - شديدة الاختلاف عن صنعاء بنزوعها التجاري، وكثرة خيوط اتصالها بعدن المُحتلة، وبسائر الأقطار المُنتجة للبضائع أو المصدرة لها.
هناك وفي مدينة تعز تعرف القاضي الزبيري والأستاذ النعمان على الشيخ جازم الحروي عن قرب، استضافهما الأخير في منزله أكثر من مرة، وأعجب بهما، واستشعر صدقهما، ونقاء سريرتهما، وحُبِهما الفياض للوطن المُنهك، ورغبتهما العارمة في تخليصه من براثن الظلم والطغيان، وحين رآهما يترددان على ولي العهد أحمد، وكان حالهم كمن ينفخ في قربةٍ مثقوبة، قال لهم بحماس لافت: «بدلًا من أنْ تظلوا تُبعثروا أدبكم وأفكاركم في تقديس الحُكام، اخرجوا نحو الشعب».
جازم الشاب المُتحمس، ذو الـ 22 ربيعًا، كان أكبر من سنه بكثير، لم يكتفِ بالتحفيز المعنوي؛ بل تكفل بالدعم المادي أيضًا؛ خاصة بعد أنْ تعذرا له الثائران العظيمان بضيق الحال، وبالفعل نجح بعد جُهد جهيد، وبمساعدة القاضي عباس أحمد باشا في تهريبهما ذات ليلة مُمطرة إلى عدن 4 يونيو 1944م. وذلك بعد أنْ توفرت الأسباب الموضوعية لذلك الهروب، والمُتمثلة بتهديد السيف أحمد للعصريين بشكل عام بالقتل، ووعده بأنْ يلقى الله تعالى ويده مُخضبة بدمائهم.
شكل انتقال الثَائران القاضي الزبيري والأستاذ النعمان إلى عدن مُنعطفًا هامًا في تاريخ الحركة الوطنية، لتبدأ من مدينة التواهي المعارضة الفعلية لحكم الإمام يحيى حميد الدين 1944م، وذلك بقيام (حزب الأحرار الدستوريين)، وهي تسمية مُتقدمة في ذلك الوقت المُبكر من كفاح اليمنيين، ولم يكن ذلك الحزب - كما أفاد علي محمد زيد - كأي حزب؛ بل كان حجرًا كبيرًا ألقي في الحياة السياسية الآسنة، فحركها، وبعث فيها الحياة.
نشرت صحيفة (فتاة الجزيرة) - التي دأبت على نشر الموضوعات التي يكتبها الأحرار - نبأ إعلان قيام ذلك الحزب، وعَلّقت: «لقيت هذه الخطوة ترحيبًا وحماسًا وتأييدًا من المُستنيرين اليمنيين، من أبناء الشمال والجنوب على حدٍ سواء».
انتخب الأستاذ أحمد النعمان رئيسًا للحزب، والقاضي الزبيري أمينًا عامًا، ليبادر الأول بكتابة رسالة استعطافية إلى الإمام يحيى حميد الدين، وقعها قادة الحزب، ناشد فيها الإمام برفع الظلم عن الرعايا، ولخصها بالقول: «نطلب منك أولًا وقبل أي شيء أنْ تأمر أولادك بإعلان الهدنة بين العسكري والرعوي..».
الجدير ذكره أنَّه وبالتزامن مع تأسيس ذلك الحزب في مدينة عدن، تأسست في مدينة إب جمعية الإصلاح، كان القاضي عبدالرحمن الإرياني صاحب المشورة الأولى في تأسيسها، وأحد أعضاءها الفاعلين، بعد أنْ رفض تولي رئاستها، وقد اختار وباقي الأعضاء لأنفسهم أسماء حركية ذات نزعة قحطانية، وكان اسم (اليحصبي) من نصيبه، إلا أنَّ كيانهم التحرري لم يستمر للأسف الشديد طويلًا؛ فقد انكشف أمره بوشاية أهداها المدعو علي الغزالي لولي العهد أحمد، وتم بموجبها القبض على 24 منهم، ليقوم الأمير الحسن بإرسالهم إلى سجون حجة المُوحشة.
بالإضافة إلى رئيس الجمعية القاضي محمد علي الأكوع، ألقى أمير لواء إب القبض أيضًا على القاضي عبدالرحمن الإرياني، والقاضي أحمد المعلمي، والشيخ حسن محمد الدعيس، والشيخ حسن محمد البعداني، والقاضي عبدالكريم أحمد العنسي، والقاضي محمد أحمد صبرة، والأستاذ عبدالرحمن محمد سلامة (الأزدي)، والنقيب عبداللطيف بن قائد، ومحسن باعلوي، ومحمد منصور الصنعاني، وآخرين.
كان أعضاء الكيانات الثلاث السابق ذكرها من كل اليمن، ومن مُختلف شرائحه، وقد اختلط في أدبياتهم - حد تعبير الدكتور عبدالعزيز المقالح - القديم بالجديد، والسلفي بالمُعاصر. وكان التنسيق بينهم حينها قائمًا، وعلى أوجه، وكانت المنشورات تُرسل إلى صنعاء وتعز وإب من عدن، وحوت في حناياها شيئًا من أنــة الأستاذ النعمان الأولى.
وعلى الرغم من عدم تجانس أولئك الأحرار اجتماعيًا، إلا أنَّهم شكلوا تحالف مزدوج، مُتدرج في مطالبه، منهم من دعا صراحة - كما أفاد الشماحي - إلى التغيير الجذري للنظام، ومنهم من دعا - وهم الأكثرية - إلى الإصلاح الديني، والسياسي، على اعتبار أنَّ الظروف لم تكن حينها مهيأة لتجاوز ذلك الإطار المطلبي.
والأكثر أهمية أنَّ شعارهم الجامع دعا إلى السيادة الشعبية، والوحدة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، وأنَّ تحركاتهم العفوية تحولت مع مرور الوقت إلى أفعال مُنظمة، وبمعنى أدق شبه مُنظمة، وكان لها ما بعدها.
استنهاض الهمم
مع نهاية الحرب العالمية الثانية سمح الإنجليز في عدن في إيجاد كيان يمني جديد مُعارض لنظام الإمام يحيى حميد الدين؛ وذلك بعد أنْ زال تخوفهم من تحالف الأخير مع الإيطاليين، ولم يحل العام 1946م إلا وذلك الكيان المُتمثل بـ (الجمعية اليمنية الكبرى) يتصدر المشهد، وبرؤى ناضجة، وبمطالب شاملة تهم كل اليمنيين، وعلى رأسه كوكبة من الأحرار المُستنيرين، كان القاضي محمد محمود الزبيري، والأستاذ أحمد محمد نعمان أبرزهم.
تولى القاضي الزبيري رئاسة الجمعية، فيما شغل الأستاذ النعمان منصب سكرتيرها العام، وفي ليلة عدنية مشحونة بالأماني وعد الشيخ جازم الحروي قادة الجمعية بتوفير المال اللازم لشراء مطبعة خاصة بها، خاصة وأنَّ الإنجليز كانوا قد سمحوا لهم بإصدار صحيفة باسم (صوت اليمن)، ومنعوا في المُقابل المطابع العدنية من طباعتها، وهو الموقف الذي حرَّك مياه الجمعية الراكدة.
اشترى الأحرار مطبعة مستعملة، وربطوها باسمها القديم (نهضة مصر)، وأطلقوا عليها اسم مطبعة (النهضة اليمانية)، فيما تولى سعيد الدمشقي في ليلة وصولها تركيبها، وذلك في مبنى مُجاور لمقر الجمعية الكائن في شارع العيدروس، وهو - أي الدمشقي - اُستدعي من صنعاء لتلك المُهمة، حيث كان يعمل في صحيفة (الإيمان) المُتوكلية التي كانت حينها محدودة الصدور.
ومن الحبشة أرسل أحمد عبده ناشر العريقي بالخبير اليمني المُتخصص عبدالله طاهر، وقد تولي الأخير مهمة تشغيلها، وتدريب عمال المطبعة (كان الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان أحدهم) على رصف الحروف.
وعلى ذكر صحيفة (الإيمان) الإمامية المُتوكلية، فقد دأبت حينها على مُهاجمة الأحرار في عدن، ووصفهم بأنَّهم (أعداء، سفهاء، ملعونون، خارجون)، وتكررت فيها المقالات عن ما أسمتهم بـ (الفئة المنحرفة)، وصحيفتهم التي أسمتها بـ (صوت الحمير)، فيما تهكم رئيس تحريرها عبدالكريم مطهر في أحد أعدادها عليهم قائلًا: «إنَّ الذين ينضوون تحت لواء النصارى، فارين من جنة الإيمان، يصدق عليهم قوله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"»!
طُبعت في مطبعة (النهضة اليمانية) منشورات الجمعية، و(صوت اليمن)، الصحيفة التي صدر عددها الأول قبل أنْ ينتهي ذلك العام بشهرين (أكتوبر 1946م)، وقد كانت بحق صحيفة المُعارضة الحزبية الأولى في اليمن، ومُتنفس الأحرار الأوحد، وصوتهم المُعبر عن آمال الشعب والأمة، ومن خلالها أطلوا على العالم، وكانت بحق الدليل الفعلي لمعرفة تفكيرهم، ونشاطهم، وتوجههم، وعلى صدر صفحاتها نشروا الرسائل، والنداءات، والمقالات الشارحة لمـُعاناة الشعب اليماني الأصيل.
كانت تلك الصحيفة مدرسة في الصحافة الوطنية، أقضَّت على مدى عام وأربعة أشهر، و69 عددًا مضاجع الطغاة، وهدَّت كيانهم، وقامت بدور فعال على طريق الإعداد للثورة، وذلك من خلال الدعوة إلى الإصلاح، ونشر الوعي بين الشباب، وخلق توجه فكري ذي نزعة وطنية مُنجذبة - ولو عاطفيًا - نحو الهوية والخصوصية اليمنية، بموازاة النزعة السلالية المذهبية المُنغلقة على ذاتها، والمُتحكمة آنذاك بالقرار السياسي.
لم تأت تسمية تلك الصحيفة بـ (صوت اليمن) من فراغ؛ بل اختيرت - كما أفاد الباحث أمين محمد علي البحر - بوعي بالغ، وإدراك عميق، ويُؤكد ذلك مقال القاضي الزبيري التعريفي، والذي نُشر في عددها الأول تحت عنوان (ها هي صوت اليمن)، وفيه تحدث عن الشعب اليمني العظيم، وارث الحضارة، وحفيد الأقيال، وسليل الملوك، وأرومة العرب الأولى.
وانتقل القاضي الزبيري بعد ذلك إلى الحاضر المُؤلم، وتساءل بحسرة كيف أصبح هذا الشعب الذي يُعد من أعرق الشعوب في الحضارة والسؤدد، أيام كانت الأقطار مجاهل غافلة، والأمم أطفالًا سادرة، كيف أصبح في عصر الثقافة والعلم والعمران طلمسًا مُشكلًا، ولغزًا غامضًا، مُوضحًا أنَّه - أي هذا الشعب - لن يبقى مُهمشًا خانعًا مهما تكالبت عليه الظروف، واستبد به طارئ يعمل على مُصادرة هويته.
واستدرك القاضي الزبيري أنَّ جو العالم الجديد ساعد الشعب اليمني على الحركة والتنفس والانطلاق، وأنَّ أرواح التبابعة والأقيال خفقت تنفخ الحياة في أشباح أحفادها، وأنَّ صوت اليمن الداوي انبعث من أعماق التاريخ يسوق اليمانيين إلى مجدهم سوقا، ويفرض عليهم أعباء الكفاح فرضا، ويضرب أسماعهم بهذه الأسواط الروحية الناطقة.
وجاء في ذات الصحيفة، وفي مقال افتتاحي آخر نُشر في العدد 23، يبدو فيه وبوضوح نفس القاضي الزبيري ما نصه: «إنَّ قوة الاستعداد كامنة فيك أيها اليمني مُنذ آلاف السنين، مُنذ كانت اليمن مصدر الحضارة، وأم المدنية والرقي، إنَّ دم أجدادك الأمجاد لا يزال يجري في عروقك حارًا مُتدفقًا، فلماذا لا تستخدمه في إنقاذ نفسك وأمتك من هوة العدم.. إنَّ وطنك يستنجد بك، فهل تلبي نداء ضميرك؟».
وعلى ذات الأسلوب الاستنهاضي توالت في ذات الصحيفة المُناشدات الداعية لبعث الروح اليمنية الغائرة في أعماق الماضي التليد، واستحضارها من جديد؛ ردًا على التغول الإمامي الطامس للهوية، والضارب بيد من حديد.
وكتب المُؤرخ إسماعيل بن علي الأكوع سلسلة مقالات طويلة توثيقية تحت عنوان (عش لحظة مع أجدادك)، غاص فيها بدقة في صفحات التاريخ الغابر، واستحضر النقاط المضيئة فيه، خاصة تلك المُحفزة على الحرية والانعتاق. وعلق أحدهم ذات مقال افتتاحي: «بلادكم أيها اليمنيون عظيمة، فاحرصوا عليها، ولا تقدسوا من كان سببًا في شقائها».
القاضي الزبيري من جهته لم يكتفِ باستنهاض الهمم اليمانية فقط؛ بل صَعَّدَ من خطاباته الموجهة، وكتب مقالات فاضحة لحكم الإمامة، وجعل من الأدب والشعر وسيلة مُثلى لإيصال أفكاره، وقال عن شعوره ذاك: «كنت أحس إحساسًا أسطوريًا بأنني قادر بالأدب وحده على أنْ أقوض ألف عام من الفساد، والظلم، والطغيان».
ونتيجة لوضع الإمامة المُزري، انضم الأمير إبراهيم بن الإمام يحيى إلى صفوف الأحرار، أطلقوا عليه تسمية (سيف الحق)، وصار صوتهم بانضمامه مسموعًا، وصارت أنظار أحرار العالم تتجه إليهم، والأهم من ذلك كله احتوائهم لذلك الأمير بكافة الوسائل الممكنة، وتغلغل نفسهم الثوري في أدبياته، وتصريحاته النارية.
«عليك أنْ تقي أسرتك والشعب من خطر الانفجار الذي لا يُؤخره غير انتظار فترة قصيرة من الزمن، تظل فيها منجحرًا في قمقم التاريخ الهاشمي المُظلم»، هكذا خاطب سيف الحق إبراهيم والده الإمام يحيى ذات مقال في صحيفة (صوت اليمن)، وبالفعل حصل الانفجار الكبير، وحسم الأحرار الأوائل أمرهم بثورة دستورية 17 فبراير 1948م، لم يكتب لها النجاح.
استغل ولي العهد أحمد يحيى حميد الدين حادثة مقتل أبيه، وحشد الحشود لدخول صنعاء، المدينة الآثمة حد وصفه، والقضاء على الثورة الدستورية، وتأديب الأحرار العصريين، ولم يكد يصل مدينة حجة حتى ظهر - كما قيل - إمام آخر، يُدعى علي بن حمود شرف الدين، أحد رجالات دولة الإمام المقتول، إلا أنَّ الأخير سريعًا ما أذعن وأعلن ولاءه للسيف أحمد، وكان من أبرز رجالاته في سحق الثورة الدستورية، وكوفئ بتعينه أميرًا للواء الحديدة.
أرسل السيف أحمد رسالته الشهيرة لابن الوزير، وخاطبه فيها قائلًا: «وإني زاحف إليك بأنصار الله الذين سترى نفسك تحت ضرباتهم مُعفرًا»، ودخلت جحافله المُتوحشة صنعاء صباح يوم 13مارس 1948م، وعاثت فيها نهبًا وخرابًا؛ فانتهت بذلك إمامة ابن الوزير التي استمرت لـ 26 يومـًا فقط.
وفي اليوم التالي لسقوط صنعاء أعلن السيف أحمد نفسه إمامًا، وتلقب بـ (الناصر)، وكان عهده أسوأ من حكم أبيه، أباح نهب صنعاء، وشبام، والعدين، وأسرف في سفك الدماء، وقتل شقيقه إبراهيم بالسم، بعد نصيحة مُستشار السوء حسين الحلالي، كما أعدم الإمام عبدالله الوزير و36 ثائرًا بدون مُحاكمة، وزج بمن تبقى من الثوار في سجون حجة المُوحشة، ووصلت به الجرأة إلى أنْ يقتل أحد أعوانه ويدعى حمود السياغي بدون سبب؛ فقط لأنَّه لا يستلطفه، وأنَّه - حد وصفه - دمه ثقيل، وكان دائمًا ما يردد: «والله لأخضبن يدي بدماء العصريين حتى ألقى الله وهو راض عني».
كان الأمير يحيى بن يحيى حميد الدين شريكًا بارزًا في انتصار أخيه غير الشقيق، فقد نجح - كما تشير بعض الروايات - في إسقاط صنعاء من الداخل، وذلك بإقناع قوات المدفعية المُرابطة في قصر السلاح بقصف منزل الإمام عبدالله الوزير، وحظي باحترام سُكان تلك المدينة المنكوبة؛ لأنَّه قَام بحماية بعض مَنازلهم العتيقة من النهب؛ وكانت نهايته بعد مرور ثلاث سنوات قتيلًا بالسم، وهي النهاية التي وضعت حدًا لطموحه، ولا يستبعد أنْ يكون أخوه الإمام الطاغية هم من رسم تفاصيلها، كما رسم تفاصيل حبس أخويه علي والعباس.
من صفحة الكاتب بالفيسبوك