أخبار محلية

ضد طقوس "الولاية".. كيف تحول "يوم النشور" في عمران إلى مظاهرة لرفض المشروع الحوثي؟

ضد طقوس "الولاية".. كيف تحول "يوم النشور" في عمران إلى مظاهرة لرفض المشروع الحوثي؟

في الوقت الذي تحشد فيه ميليشيا الحوثي طاقاتها لفرض مناسباتها ذات البعد المذهبي والسياسي في مناطق سيطرتها، يُصر أبناء قبائل محافظة عمران (شمالي اليمن) على إحياء تقليد اجتماعي وقبلي ضارب في عمق التاريخ يُعرف بـ"يوم النشور". هذا اليوم، الذي يصادف الـ19 من ذي الحجة من كل عام (العاشر من أيام عيد الأضحى)، تحوّل من مجرد مناسبة فرائحية لوداع العيد إلى مظاهرة شعبية تعكس تماسك القبيلة اليمنية ورفضها للمشاريع الدخيلة.

ويُعد "يوم النشور" من أبرز العادات المتوارثة لدى قبائل بكيل، لا سيما في مديريات ريدة، وعيال سريح، وغولة عجيب، والجبل بمحافظة عمران، حيث يعود تاريخ هذه المناسبة إلى عقود، وربما قرون، إثر ارتباطها تاريخياً باستقبال قوافل الحجاج العائدين من الأراضي المقدسة، وإعلان انتهاء إجازة العيد للعودة إلى الحياة اليومية والأعمال. 

وفي هذا اليوم، تنصهر الخلافات البينية والولاءات الحزبية أو الفئوية، وتلتقي القبائل في ساحات عامة مفتوحة لتعزيز قيم التسامح، والمصافحة، وتعميق أواصر الإخاء، وسط شروط وأعراف قبلية صارمة تمنع رفع أي شعارات أو رايات طائفية أو فئوية، مما يجعله يوماً خالصاً للهوية اليمنية والقبلية.

تبدأ مراسم المناسبة منذ الساعات الأولى للصباح، حيث تتوافد القبائل في صفوف متراصة على وقع الطبول وترديد "الزوامل" والمهايد والأهازيج الشعبية، وتتحول الساحات إلى ميادين مفتوحة لاستعراض مهارات الرقص والبرع الشعبي، إلى جانب تنظيم مسابقات الرماية وإطلاق الأعيرة النارية في الهواء إيذاناً بوصول القبائل وترحيباً ببعضها، ولا تقتصر على الجانب الاحتفالي فحسب، بل تمتد لتصبح منصة ومجلساً قبلياً مفتوحاً تُناقش فيه التحديات التي تواجه المجتمع المحلي والبحث عن معالجات جماعية لها.

وخلال السنوات الأخيرة، تضاعفت الأهمية الرمزية لـ"يوم النشور"، إذ يأتي توقيته في اليوم التالي مباشرة لما تسميه ميليشيا الحوثي "يوم الولاية" أو "عيد الغدير".. ويرى باحثون ومراقبون للشأن القبلي أن تمسك القبائل بهذا العيد التقليدي بات يمثل رسالة رفض سياسي واجتماعي مبطنة، ونكاية بمحاولات الميليشيا فرض طقوس مستوردة تتصادم مع الهوية اليمنية السبئية الأصيلة.

هذا التماسك والرفض القبلي لرفع الشعارات الحوثية في "يوم النشور" يثير قلقاً ومخاوف مستمرة لدى قيادات المليشيا، التي حاولت مراراً منع الاحتفال أو تعكير صفوه، لكنها دائمًا ما تصطدم بجدار من الممانعة القبلية الصلبة، والتي تصل أحياناً إلى حد التحدي العلني؛ حيث شهدت المناسبة في سنوات سابقة إطلاق تهديدات صريحة من زعامات قبلية بارزة ضد قيادات حوثية رفيعة رفضاً لأي تدخل في شؤون القبيلة وعاداتها، ليبقى هذا اليوم لوحة يمنية حية تختزل عناصر القوة، والأصالة، والتضامن القبلي، مؤكداً أن الموروث الشعبي لليمنيين يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات التجريف الفكري والسياسي.