آخر الأخبار
أخبار محلية

اسرار | بالوثائق والأرقام.. (الأخطبوط المالي) يلتهم مؤسسة المسالخ بتعز: 18 وثيقة رقابية تسرب خفايا تجريف الموارد وتأجير العقارات بتراب الفلوس

اسرار سياسية- اسرار سياسية 12/06/2026 23:16 1,019 مشاهدة
اسرار | بالوثائق والأرقام.. (الأخطبوط المالي) يلتهم مؤسسة المسالخ بتعز: 18 وثيقة رقابية تسرب خفايا تجريف الموارد وتأجير العقارات بتراب الفلوس

تعز - خاص : في واحدة من أثقل قضايا الفساد المالي والإداري التي تضرب المؤسسات الخدمية بمدينة تعز، الخاضعة لسيطرة حزب الإصلاح، تكشفت تفاصيل صادمة حول عمليات تجريف ممنهجة للمال العام، وتبديد لأصول الدولة داخل "المؤسسة العامة للمسالخ وأسواق اللحوم". القضية التي فجّرتها 18 وثيقة رسمية مسربة، صادرة عن فرع الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة بالمحافظة التابع لرئاسة الجمهورية، عرت شبكة مصالح معقدة تتقاسم إيرادات المؤسسة خارج الدورة المستندية والقانونية.

الوثائق الدامغة التي تتبع خيوطها الصحفي الاستقصائي البارز في تعز، محرم الحاج، وضعت يدها على ثقب أسود من المخالفات الجسيمة؛ تتنوع بين الهدر المباشر للموارد، وصرف مكافآت لأشخاص وهميين ومن خارج القوة الوظيفية، واحتجاز الإيرادات من قِبل محصلين نافذين، وصولاً إلى تواطؤ مفضوح في تجميد القيمة الإيجارية لأصول المؤسسة وعقاراتها.

مسالخ مغلقة في خطوط النار.. وإيجاراتها مدفوعة بالمليون!

أولى مفاجآت الملف الرقابي تمثلت في استمرار إدارة المؤسسة بدفع إيجارات شهرية منتظمة لما يُعرف بـ"مسلخ الأشبط"؛ وهو مرفق متوقف عن العمل كلياً ويقع في قلب خطوط التماس العسكرية والمواجهات أمام "جبل هان".

ووفقاً للوثائق، فقد التهم هذا المسلخ المغلق نحو 2,841,600 ريال يمني صُرفت من أموال الدولة كإيجارات دون أي مبرر قانوني أو منفعة فعلية، في إجراء وصفه تقرير الجهاز المركزي بأنه "هدر متعمد وعبث صريح بأموال الوظيفة العامة".

وفي تكتيك يعكس رغبة الإدارة في شراء الولاءات لحماية نفوذها، كشفت الوثائق عن استقطاع غير قانوني بنسبة 10% من إيرادات رسوم الكشف الصحي التي تُجَبى من مداخل المدينة، وتحويلها مباشرة لصالح أفراد الشرطة العسكرية المرابطين في "نقطة الهنجر". وبلغ ما تم قيد الصرف لهؤلاء الجنود خلال عام واحد فقط (2022) نحو 10,554,166 ريالاً يمنيّاً، ناهيك عن فواتير جانبية مفتوحة شملت وجبات عشاء يومية ونفقات وقود مخصصة للأطقم العسكرية لتأمين التحصيل.

كشوفات المكافآت.. "بندقية للإيجار" وأموال بأثر رجعي

آلية الصرف العشوائي امتدت لتشمل بند "المكافآت والتنقلات"؛ حيث رصدت التقارير صرف مبلغ 675 ألف ريال لشخص رمزت إليه الوثائق بـ(أ. غ)، ليتبين لاحقاً عقب مراجعة الكشوفات أنه لا ينتمي إطلاقاً للهيكل الوظيفي للمؤسسة، ولم يُكلف بأي مهمة رسمية تستدعي الصرف.

وفي مشهد آخر من مشاهد العبث المالي، رصد المفتشون صرف مبلغ 135 ألف ريال للمدعو (في. ع. م) أواخر عام 2022، بزعم مستحقات قُدّمت بأثر رجعي عن "جهود" بذلها في عام 2019، دون وجود أي مستند قانوني أو معاملة رسمية سابقة تؤيد هذا الاستحقاق المتأخر، مما يضع الصرف في خانة التنفيع الشخصي.

محصلون يبتلعون الإيرادات وعقارات تؤجر بأبخس الأثمان

الملف الإيرادي لم يكن أفضل حالاً؛ إذ كشف الحساب الختامي للمؤسسة عن عجز ومديونية متراكمة بلغت 4,920,812 ريالاً يمنيّاً، وهي أموال قام المحصلون بجبايتها نقداً من الأسواق والمنافذ، لكنهم احتجزوها في جيوبهم وامتنعوا عن توريدها إلى البنك المركزي. وتصدر قائمة هؤلاء المحصلين المدعو (ن. ع. أ)، الذي استأثر بمفرده بمديونية بلغت 4,267,292 ريالاً دون رادع قانوني أو إجراء عقابي بحقه.

وعلى صعيد إدارة الأصول الثابتة، كشفت الـ18 وثيقة عن تجميد متعمد لعائدات عقارات المؤسسة؛ إذ لم تتجاوز إيرادات الإيجارات السنوية لمحلات بيع اللحوم والأسماك 4,469,500 ريال. وتعود أسباب هذا التدني القياسي إلى امتناع الإدارة عن تجديد عقود الإيجار منذ عام 2020، لتظل هذه المحلات مؤجرة بأسعار "رمزيّة" تتراوح بين 7500 و20 ألف ريال فقط للشهر الواحد، وهي أرقام مضحكة ولا تُمثل حتى 5% من القيمة السوقية الفعلية لعقارات وسط مدينة تعز، مما يشير إلى شبهة تواطؤ أو صفقات مشبوهة من تحت الطاولة.

عشوائية محاسبية متعمدة لتمرير الفساد

ولتمرير هذه التجاوزات، اعتمدت إدارة المؤسسة سياسة "الفوضى الإدارية المنظمة"؛ حيث رصد الجهاز المركزي غياباً تاماً للأرشفة القانونية للمستندات، وإجراء قيود محاسبية على ورق أبيض دون استخدام النماذج المالية الرسمية المعتمدة من وزارة المالية، بالإضافة إلى عدم وجود أي ضمانات مالية قانونية مقيدة على أمين الصندوق أو أمناء المخازن، وهو ما يشرعن الاختلاس ويسهل التملص من المسؤولية.

كما تضمن التقرير فضيحة قيام محصلي "نقطة الضباب" الخارجية بالصرف النقدي المباشر من المبالغ المحصلة يومياً لتغطية نفقات مرتجلة، دون توريدها أولاً ودون المرور بالدورة المستندية، في نسف كامل لقانون السلطة المحلية واللوائح المالية. يضاف إلى ذلك، غياب الإثبات الدفتري الحقيقي للأراضي والمباني التابعة للمؤسسة، والبالغ قيمتها الدفترية ملايين الريالات، تحت مبررات واهية تعلقت بانتظار لجان التقييم ومحاكم الأموال العامة.

تأتي هذه التسريبات المدوية في وقت تعيش فيه مدينة تعز اختناقاً خدمياً واقتصادياً حاداً جراء الحصار الحوثي المستمر وشح الموارد الأساسية؛ ما يضاعف من وطنة الجريمة الأخلاقية والقانونية الواردة في التقرير. ومن جانبه، أكد الصحفي محرم الحاج أن "وحدة الرصد" تحتفظ بالنسخ الأصلية والمعمدة من هذه الوثائق، معتبراً أن نشرها ليس مجرد خبطة صحفية، بل هو واجب وطني لتمكين الشارع من مراقبة مصير أمواله، وسط تصاعد الأصوات الشعبية والحقوقية المطالبة بإحالة ملف مؤسسة المسالخ كاملاً إلى نيابة الأموال العامة، وإيقاف المدراء المتورطين، واستعادة كل ريال تم نهبه أو تبديده تحت غطاء النفوذ الحزبي.