صعدة، التي يُروّج لها إعلامياً على أنها "مركز الانطلاق" والمعقل الرئيسي لمليشيا الحوثي، تُعد في الحقيقة النموذج الأكثر قتامة للتجربة الحوثية في حكم اليمن. وخلافاً للصورة البراقة التي يُراد تصديرها، يعيش المواطن الصعداوي في قلب هذه "العاصمة المفترضة" تحت وطأة إرهاب يومي وظلم ممنهج؛ حيث يُحرم من أبسط حقوقه الإنسانية، وتُصادر حريته لصالح أيديولوجيا لا تقبل الآخر.
إنها مفارقة السخرية السوداء: أن يكون سكان "المعقل" هم أول من يكتوي بنار "الجلاد" الذي يدّعي تمثيلهم، ويدفعون ضريبة كونهم الحاضنة التي تحولت إلى حقل تجارب للقمع والإرهاب. في هذا التحقيق، نكشف كيف يدفع أبناء صعدة ثمن كونهم "الحاضنة" التي لم ترحمها أيادي من تدّعي حمايتها.
فُصلت من عملي لتساؤلي عن سبب غياب المناهج
أبو ناصر (معلم سابق) قال:
"التعليم اليوم لم يعد للعلوم والمعارف بقدر ما هو منصة لتثبيت الأيديولوجيا. في مدارسنا، يتم إلحاق الطلاب ببرامج شبه عسكرية. عندما تحاول الاعتراض، تُتهم بضرب 'الهوية'. لقد فُصلت من عملي لأنني تساءلت عن سبب غياب المناهج العلمية لصالح شعارات التعبئة، واليوم يُحرم أبناؤنا من التعليم الحقيقي ليُدفعوا إلى خنادق التجنيد القسري."
إن التغييرات التي تشهدها صعدة ليست مجرد إجراءات أمنية طارئة، بل هي إعادة صياغة جذرية لحياة الأفراد والمجتمع. وبينما تستمر "عسكرة" المناهج والمجتمع، يظل التساؤل قائماً حول قدرة النسيج الاجتماعي الهش على الصمود أمام هذا التغيير القسري. إن صعدة اليوم، بصمتها المفروض وخوفها المكتوم، تضع اليمن أمام تحدٍ كبير يتجاوز تداعيات الحرب الحالية، ليمس جوهر الهوية والمستقبل الوطني للأجيال القادمة.
سرقوا منا طفولة أبنائنا
"أم أحمد" (سيدة من المنطقة) قالت:
الخوف هو سيد الموقف. نحن نعيش تحت رقابة مشددة، حتى في مجالسنا الخاصة. الرقابة الأمنية لا تترك أحداً، وأي حركة أو صوت مخالف يُفسر على أنه تآمر. ابني الصغير تم أخذه إلى معسكر تدريبي دون موافقتي، وعندما بكيت، قيل لي إن هذا "شرف". صعدة اليوم ليست صعدة التي عرفناها، لقد سرقوا منا طفولة أبنائنا.
وهم صناعة الرجال
محمد قاسم، معلم وشخصية تربوية، تحدث قائلاً:
في صعدة، لم يعد التعليم تعليمًا، بل صار "تلقينًا بالتكرار الممل"، وكأن الهدف هو صناعة جيش من "الروبوتات البشرية" التي ترفع يدها بالصرخة كلما ضغط أحدهم على زر "التعبئة". إن الجماعة تعيش وهم "صناعة الرجال"، بينما هي في الحقيقة تعبث بمستقبل الأطفال، محولةً عقولهم إلى أوعية فارغة تُملأ بخرافات الاستعلاء. إننا لا نشهد إعادة صياغة للهوية اليمنية، بل نشهد أكبر عملية "غسل دماغ" للتاريخ اليمني، حيث يُطلب من الجيل القادم أن يختار بين أن يكون "نسخة مشوهة" من مشروعهم الغريب، أو أن يظل "خارج الخدمة" في وطن يتسع للجميع إلا لأصحاب الرأي الحر.
اليوم همّنا الخوف من فقدان الشباب
سالم علي (مزارع) يقول:
الأرض لم تعد تعطي كما كانت. قبل سنوات كان همّنا الموسم والأسواق، اليوم همّنا هو الخوف من فقدان الشباب. كل أسرة باتت مرغمة على تقديم فرد أو أكثر للمجهود العسكري. من يرفض يُحرم من أبسط الخدمات أو يُوضع تحت طائلة العقاب الأمني. أصبحت الحياة اليومية سلسلة من التفتيشات والتحقيقات غير المعلنة.
صعدة هي المختبر والمناطق الأخرى تم التطبيق فيها
د. يحيى أحمد (ناشط حقوقي محلي) تحدث قائلاً:
ما يجري هو هندسة اجتماعية شاملة. تحويل المجتمع إلى مؤسسة عسكرية يعني إلغاء المجتمع المدني تماماً. تغيير المناهج، وتغيير طقوس المناسبات الاجتماعية، وفرض رقابة أمنية ذكية ومكثفة، كلها أدوات تهدف لضمان ولاء مطلق. صعدة هي المختبر الذي طُبقت فيه هذه السياسات قبل تعميمها على مناطق أخرى.
خاتمة:
لقد تحولت صعدة إلى "مسرح عبثي" كبير، حيث يُجبر الأجيال على حفظ أدوار في مسرحية رديئة الإخراج، كتب نصها الهزلي مهندسو "الوهم" في صعدة. إنهم يغرسون في التربة اليمنية بذوراً ليست من ثمار أرضنا، بل نبت يُراد له أن يزهر كراهية وعزلة عن العالم. وبينما يُشغلون الصغار بـ"الصرخة" والزحف تحت حرارة الشمس، يغفلون عن حقيقة صارخة: أن التاريخ لا يرحم من يحاول إلباس أمة كاملة ثوباً ضيقاً لا يتسع إلا لطموحاته الصغيرة، وأن "الهوية" التي تُطبخ على نار العسكرة لا تلبث أن تحترق حين تهب رياح الواقع.