فظائع وانتهاكات جسيمة تجري خلف جدران الزنازين السرية الحوثية | (مسالخ بشرية) في صنعاء.. تفاصيل تُنشر لأول مرة عن سجون (استخبارات الشرطة) بقيادة نجل مؤسس الجماعة علي حسين الحوثي | "شبكة الجلادين".. قائمة القيادات المتورطة في الانتهاكات
صنعاء | تقرير اخباري :
سلط تقرير حقوقي واستقصائي جديد، نشره الكاتب والناشط اليمني وائل البدري، رصده نيوز ماكس ون ، على صفحته في الفيس بوك - قبل لحظات- الضوء على ما وصفت بـ"المسالخ البشرية" داخل سجون جهاز "استخبارات الشرطة" في العاصمة المختطفة صنعاء. وكشف التقرير عن فظائع وانتهاكات جسيمة تجري خلف جدران الزنازين السرية، التي يفرض عليها نجل مؤسس جماعة الحوثي، علي حسين بدر الدين الحوثي، إشرافاً وإدارة مباشرة وبتفويض مطلق.
وتشير المعلومات الموثقة إلى أن هذا الجهاز تمدد خارج نطاقه القانوني، ليتحول من أداة ضبط إداري لمنتسبي وزارة الداخلية إلى أحد أكثر الأجهزة الأمنية قمعاً ووحشية بحق المواطنين والمدنيين، مستخدماً أساليب الإخفاء القسري والتعذيب الممنهج بغرض الابتزاز المالي والسياسي.
صراع الأجنحة الحوثية.. ولادة جهاز قمعي موازي
تؤكد المعطيات الاستقصائية أن جهاز "استخبارات الشرطة" لم ينشأ تلبيةً لدواعٍ أمنية مهنية، بل وُلد من رحم صراعات الأجنحة المحمومة للاستحواذ والسيطرة داخل أروقة الميليشيا؛ وتحديداً كناتج للمشاحنات العميقة بين جناح وزير الداخلية في حكومة صنعاء (غير المعترف بها) "عبد الكريم الحوثي"، ورئيس جهاز الأمن والمخابرات "عبد الحكيم الخيواني".
ومن أجل صناعة ذراع باطشة قادرة على منافسة الأجهزة الأخرى، تم استنساخ وتوسيع صلاحيات "استخبارات الشرطة" لتتجاوز لافتتها الاسمية (المعنية بضباط وأفراد الداخلية)، وتتحول إلى جهاز يمتلك معتقلين رئيسيين في العاصمة صنعاء: "إصلاحية حدة" و**"احتياطي هبرة"**.
تشريح جحيم "إصلاحية حدة": هندسة الكسر النفسي والجسدي
يقع هذا المعتقل السري في منطقة "حدة" السكنية جوار السفارة الهندية، ويتكون من مبنيين متجاورين تم تصميمهما كالتالي:
1. البدروم السفلي (مقبرة الضغاطات):
• الهيكل: مساحة تقديرية تبلغ (30 \times 30 متراً)، تضم 57 زنزانة انفرادية مظلمة تُعرف بـ"الضغاطات".
• الظروف: يُحشر المعتقلون في مساحات ضيقة للغاية لا تتسع لنصف أجسادهم، في عزلة تامة عن العالم وعن معرفة الوقت، مع رقابة إلكترونية بالصوت والصورة على مدار 24 ساعة لضمان سحقهم نفسياً.
2. الدور العلوي وغرف التحقيق:
• يتكون من 8 عنابر جماعية (يتسع كل عنبر لـ 14 شخصاً)، ومزود بكاميرات مراقبة، إلى جانب غرف مخصصة للاستجواب والتعذيب.
• نظام التشميس: يُحرم السجناء من رؤية الشمس باستثناء مرة واحدة في الأسبوع، وهي ميزة تقتصر فقط على من انتهت جولات التحقيق معهم، ونُقلوا للعنابر الجماعية تمهيداً لتقديمهم لمحاكمات صورية تفتقر لأدنى معايير العدالة.
3. مبنى الإدارة العليا (العقارات المصادرة):
• مبنى منفصل يقع خلف السجن مباشرة، وهو في الأصل منزل رئيس مجلس القيادة الرئاسي "رشاد العليمي" الذي صادمته الجماعة وحولته إلى مقر لإدارة خططها الأمنية والابتزازية.
"شبكة الجلادين".. قائمة القيادات المتورطة في الانتهاكات
يدار هذا الجهاز عبر شبكة عنكبوتية منظمة تجمع بين القيادة الإشرافية، والمسؤولين الإداريين، والجلادين الميدانيين:
• علي حسين بدر الدين الحوثي: وكيل وزارة الداخلية لقطاع الأمن والاستخبارات (المشرف العام).
• مفضل المؤيد: مدير مكتب علي حسين الحوثي والمشرف على تنفيذ الأوامر.
• عبد الله عيضه مفرح العياني (أبو زين): مدير إدارة مكافحة الإرهاب بالجهاز والمكلف بالعمليات الخشنة.
• أحمد عبد الله (أبو فاطمة): مدير قسم التحريات، ذو النفوذ المطلق والمسؤول الأول عن مداهمة المنازل.
• عمار القانصي: نائب "أبو فاطمة" ومحقق رئيسي في الجهاز.
• بسام فايع (أبو حمزة): مسؤول شعبة الفنادق والمنتزهات التابعة للتحريات (المسؤولة عن الرصد والاستدراج).
• محمد سالم التركي: المسؤول الفني والتقني عن نظام كاميرات المراقبة في العاصمة والسجن.
• صادق عبد الخالق ردمان الشميري (أبو نبراس): فني تحريات ومحقق ومبتز.
• أبو علي يحيى سعدل مهمل: مدير سجن هبرة الحالي، بمعية أشقائه السبعة (عائلة مهمل) الذين يسيطرون على مفاصل الإدارة الإجرامية للسجون.
• يوسف التويتي (أبو العز): شاويش بدروم سجن حدة، المسؤول عن سحب السجناء إلى غرف التعذيب ومرافقتهم للمحاكم ملثماً.
آلية استدراج الضحايا وتلفيق الملفات الكيدية
تكشف تفاصيل التقرير الاستقصائي أن التحقيقات لا تبدأ فور اعتقال الضحية؛ بل يُترك المختطف لمدد تصل إلى 4 أشهر في الزنازين الانفرادية تحت وطأة العزلة التامة لكسره جسدياً ومعنوياً.
عند بدء الاستجواب، لا يركز المحقق على تهمة محددة، بل يجري مسحاً شاملاً وتفصيلياً لحياة الضحية: (علاقاته الاجتماعية، أصدقائه، وضعه المالي، ممتلكات والديه، والحوالات المالية). والهدف من هذا المسح ليس كشف الحقيقة، بل البحث عن أي ثغرة مالية أو شخصية لتلفيق تهمة تتناسب مع حجم الضحية بغرض الابتزاز المالي.
العبث القضائي والأحكام الجاهزة: شواهد حية
تتحول المحاكم الجزائية المتخصصة التابعة للحوثيين إلى ساحات لتمرير الأحكام المستوردة من أروقة الاستخبارات:
• قضية مجدي العابد: اتُهم بالتخابر والتسبب في قصف مجمع 26 سبتمبر بالتحرير، ليفجر الدفاع مفاجأة في قاعة المحكمة بإثبات أن المتهم كان معتقلاً في زنازين الاستخبارات قبل الحادثة بأكثر من شهر. وعندما واجه القاضي ممثل النيابة "عبد الله زهرة" بالدليل، أجاب الأخير باستهتار: "ما توقعنا!"، لتضج القاعة بضحك هستيري من السجناء. ولم يُكتفَ بسجن مجدي، بل اختُطف ابن عمه كرهينة ولم يُفرج عنه إلا تحت وطأة غارات سبتمبر 2025.
• هشام الزنداني: مواطن لُفقت له تهمة جاهزة قضت بسجنه 5 سنوات، والمؤلم أنه بعد إنهاء محكوميته الجائرة، أُجبر على قضاء 3 سنوات إضافية خلف القضبان كرهينة دون أي مسوغ قانوني.
• السياسي محمد قحطان: أكد التقرير توثيق تواجده في سجن هبرة المخفي خلال الفترة من 2019 حتى 2020.
• الكاتب محمد دبوان المياحي: رغم صدور حكم قضائي يقضي بالاكتفاء بالمدة التي قضاها والإفراج عنه بدون ضمانة، رفض المشرف الحوثي تنفيذ الحكم، واشترط إحضار "ضمانة تجارية استثنائية من شركة أو مول تجاري كبير" مع منعه المطلق من السفر والكتابة السياسية.
توثيق أساليب السادية والتعذيب الجسدي
وثق التقرير أساليب تعذيب وحشية وقاسية تُمارس بحق المختطفين، ومن أبرز الحالات الموثقة:
- استخدام الدريل الكهربائي: تعرض المعتقل (علي حمود) لضرب أقدامه بالمطارق، واستخدام "الدريل" لثقب عظام أقدامه.
- الصدمات الحرارية: جُرِّد المعتقل (مجاهد راجح) بالكامل من ملابسه في صقيع الشتاء وضخه بالماء المثلج، وركله بعنف في مناطق حساسة.
- غرفة "الورشة": مخصصة لتعليق الضحايا في الهواء من يد واحدة أو رجل واحدة لساعات حتى تتلف الأعصاب ويصاب العضو بالشلل.
- أسلوب "المتكى": إجبار الضحية على حمل مسند طيني ثقيل من الخلف وربط يديه حوله، وتعليق كرسي فوق الرأس حتى ينفجر الدم من شرايين اليد، فضلاً عن الصعق بالكهرباء والجلد.
- الابتزاز العاطفي: وضع أطفال المعتقلين خلف زجاج غرفة التحقيق، وتخيير الأب بين الاعتراف بتهم مفبركة أو إيذاء طفله أمامه.
اقتصاد الرهائن: نهب المنازل وابتزاز المغتربين
تتحرك مداهمات استخبارات الشرطة بدافع المنهبة والتكسب المالي؛ حيث يتم تجريد المنازل أثناء المداهمات من الأموال والذهب والسيارات دون تدوينها في محاضر الضبط الرسمية لتذهب إلى جيوب المشرفين.
1. اصطياد وتتبع المغتربين:
تضع الأجهزة الحوثية الحوالات الخارجية للمغتربين تحت المجهر، وحين يعود المغترب لزيارة أهله يصبح هدفاً فورياً للاختطاف:
• حالة (هـ. الـز...ـي): مغترب عاد لعائلته ورُصدت حوالة شهرية تصله بمبلغ 5000 ريال سعودي. تم اقتحام منزله واختطافه مع شقيقين قاصرين، واستُخدمت صور زوجته المخزنة في هاتفه لابتزازه، ولم يخرج إلا بعد دفع فدية مالية باهظة.
• محمد عمران: مغترب ولد وعاش في السعودية، عاد لتفقد عمارة يملكها والده بصنعاء، فاختُطف بتهمة "التصوير والرصد" ولم يخرج إلا بفدية ضخمة.
• أحمد البراشي: مغترب في الإمارات، نزل للسياحة في إب واستخدم طائرة تصوير (درون) صغيرة بإذن مالك الموقع. تم توقيفه وسلبه سيارته ومبالغ مالية، ونُقل عبر رحلة ابتزاز مريرة بين الأجهزة الأمنية انتهت به في سجن استخبارات الشرطة بصنعاء، ولم يُفرج عنه إلا بعد دفع فدية بلغت 101 ألف ريال سعودي.
2. تجارة التجويع واحتكار السجون:
حولت إدارة السجن المعتقل إلى إقطاعية تجارية؛ حيث يمنع المشرفون دخول الأطعمة التي يرسلها الأهالي، لتتيح للبقالة الخاصة بالمشرفين داخل السجن احتكار بيع مواد رديئة بأسعار خيالية، وتصادر العصائر والمستلزمات بحجة "الدواعي الأمنية" لإجبار السجناء على الشراء من بقالتهم.
انتهاك الأعراض وسقوط الخطوط الحمراء للمجتمع اليمني
يتجاوز هذا الجهاز القوانين والأعراف القبلية والدينية لليمنيين؛ حيث تمارس في أروقته انتهاكات واعتداءات لفظية وجسدية بحق النساء المعاطفات.
ولم يعد هذا الانتهاك سراً، بل تفجر علناً في قاعة المحكمة الجزائية المتخصصة، حين وقفت إحدى المعتقلات بشجاعة أمام القاضي والحاضرين لتصرخ بمرارة:
"المحقق عمار القانصي قام بابتزازي واستغلالي جسدياً داخل السجن!"
ورغم صدمة القاضي ومطالبته بإحضار المدعو "القانصي" فورا إلى المحكمة، إلا أن الأخير لم يحضر، مستفيداً من الحصانة والنفوذ كونه الذراع الأيمن لـ "أبو فاطمة" والمقرب من علي حسين الحوثي.
خلاصة التقرير: الشعارات في مواجهة الواقع الدامي
يخلص التقرير الحقوقي الموثق إلى أن هذه الممارسات والجرائم التي ترتكب تحت إشراف وتوجيه مباشر من علي حسين بدر الدين الحوثي، تقوض تماماً الشعارات الدينية والإنسانية التي ترفعها الجماعة.
إن ما يحدث في سجن حدة واستخبارات الشرطة في صنعاء ليس مجرد "تجاوزات فردية"، بل هو سلوك مؤسسي ممنهج لجهاز قمعي يستثمر في عذابات اليمنيين، ويتخذ من القبضة الأمنية والشعارات غطاءً لممارسات الفساد، الابتزاز، والوحشية القائمة على سحق الإنسان وإذلاله.