متابعات خاصة: تحولت المديريات الحدودية بمحافظة صعدة (شمالي اليمن) إلى ما يشبه "الجمهوريات المستقلة" الخارجة عن سلطة القانون، حيث تدير مجموعات مسلحة من المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين، بتواطؤ وإشراف مباشر من قيادات مليشيا الحوثي، شبكة ابتزاز ونهب منظمة تستهدف المسافرين والمواطنين اليمنيين، وتجبرهم على دفع إتاوات باهظة بالعملة الأجنبية مقابل حق المرور.
وتكشف شهادات حية ومعلومات ميدانية صادمة عن انهيار أمني مريع في المسارات والطرق الممتدة بعد "سوق حطاب" في منطقة "تشويه" وصولاً إلى منطقة "الرقو". هذه المساحات الجغرافية الوعرة تحولت إلى بؤر فوضى مفتوحة، نصبت فيها مجاميع أفريقية مسلحة نقاط تفتيش ثابتة ومتحركة، تمارس الجباية بالقوة وتهديد السلاح في ظل غياب مطبق لأجهزة الأمن الحوثية، التي يقتصر دورها على حماية هذه العصابات وتسهيل تحركاتها.
تصاريح عبور بـ 500 ريال سعودي!
في عمق هذه المعاناة، يروي أحد المواطنين المتضررين فصولاً من الابتزاز الذي يتعرض له المسافرون (داخلين وخارجين) عبر منطقة "القهر – تشويه". حيث تُجبر العائلات والمسافرون تحت تهديد السلاح على دفع مبالغ تصل إلى 500 ريال سعودي عن كل شخص، إما نقداً وإما عبر شبكات تحويل مالية محلية مرتبطة بحسابات تابعة لزعماء تلك العصابات.
المفارقة الصادمة تكمن في أن من يدفع هذه الإتاوة يحصل على ما يشبه "صك أو تصريح عبور" ورقي، يبرزه في النقاط التالية المملوكة لمجموعات أخرى لضمان عدم تعرضه للنهب مجدداً. وفي المقابل، تكتظ الشعاب والوديان والمناطق الجبلية المحيطة بعشرات الأسر والمواطنين العالقين منذ أيام في ظروف إنسانية بالغة القسوة، بعد أن تم احتجازهم وتنكيلهم لعدم قدرتهم على توفير المبالغ المطلوبة، وسط تجاهل تام وصمت مريب من سلطات الأمر الواقع الحوثية في المحافظة.
"تشليح" منظم وسوق سوداء للنهب
ولا يتوقف الأمر عند حدود إتاوات العبور؛ ففي منطقة "الرقو" وتحديداً بالقرب من "قرية مفتاح"، تدار نقطة عسكرية مخصصة لما يصفه الأهالي بـ "التشليح والتجريد". حيث يتم تفتيش القادمين والمغادرين بدقة وسلبهم كل ما يملكون من أموال، وهواتف، ومقتنيات شخصية تحت وطأة التهديد بالتصفيّة الجسدية.
مصادر محلية متطابقة أكدت أن هذا المشهد السريالي ليس نتاج انفلات أمني عفوي، بل هو "بيزنس مشترك"؛ حيث يقوم عناصر من مليشيا الحوثي مرابطون في جبهات قريبة بـ "تسليم المسافرين" يداً بيد لهذه العصابات، وتوجيههم نحو الطرق التي تسيطر عليها، لتتقاسم المليشيا مع المجموعات الأفريقية العائدات المالية الضخمة المجنيّة بالعملة الصعبة في نهاية كل يوم.
خمسون مسلحاً في "سائلة الجبلين"
تؤكد البيانات الميدانية أن مناطق "سائلة الجبلين، آل ثابت، الرقو، والقهر" تحولت إلى إقطاعيات جغرافية موزعة الأدوار؛ ففي منطقة "سائلة الجبلين" وحدها، يتمركز أكثر من 50 مسلحاً من المهاجرين الأفارقة، يساندهم ويحرس ظهرهم عدد من مسلحي المشرفين الحوثيين، بينما تتوزع نقاط شبيهة في آل ثابت والرقو لضمان إغلاق كافة المنافذ أمام أي مسافر يحاول النفاذ دون دفع الجباية.
ويرى مراقبون ومحللون للشأن اليمني أن هذه التطورات تعطي مؤشراً خطيراً على طبيعة التوظيف الحوثي للملفات الأمنية؛ إذ تعمد المليشيا إلى استخدام المهاجرين غير الشرعيين كـ "أدوات ووكلاء" لإدارة الأسواق السوداء وجني الجبايات غير القانونية على الحدود، مما يرفع الحرج السياسي عنها ويمنحها تدفقاً مالياً هائلاً، بينما يقع المواطن اليمني ضحية مزدوجة للاستقواء والابتزاز والإذلال داخل حدود وطنه، دون أي بصيص لحماية حقوقية أو أمنية.