حينما تنكفئ الأوطان في دورات التيه، وتتلاطم بها أمواج الشتات، ينبري الوعي الجمعي للشعوب كبوصلة لا تخطئ الحقائق، مستدعياً من ركام الحاضر النكد ملامح العصور التي تسيّدت فيها الدولة، وكانت الخيمة الجامعة والملجأ الآمن لكل أبنائها.. وفي هذا السياق المعرفي والوجداني، يتجاوز طوفان الترحم والندم الذي يجتاح منصات التواصل الاجتماعي اليوم في اليمن حدود العاطفة العابرة، ليتحول إلى قراءة وطنية بالغة العمق والوقار، تعيد الاعتبار لعهد الرئيس الشهيد علي عبد الله صالح، ليس كذكرى سياسية فحسب، بل كمرادف وجودي لمعاني الاستقرار والكرامة والتعايش التي افتقدها الإنسان اليمني في ليله الطويل.
يتأمل المواطن هذا الواقع المرير الممتد على طول الجغرافيا الممزقة، حيث تطبق مليشيات الحوثي خناقاً من الانتهاكات والظلم والحرمان وتجفيف منابع العيش في مناطق سيطرتها، بينما تتجرع المحافظات المحررة تحت إدارة الحكومة اليمنية غصص تدهور العملة، وغلاء الأسعار، وتدني الخدمات، ليرى بوضوح لا غبش فيه أن ذلك العهد الراحل كان سقفاً فولاذياً يحمي الجميع، ويصون كبرياء الهوية الوطنية.
من رحم هذا البؤس الراهن، ينهض الحنين الشعبي مستذكراً زمناً تميز بهيبة الدولة المركزية واستتباب الأمن في ربوع الوطن، حيث كان الراتب الشهري المنتظم مقدساً يحفظ ماء الوجه، والأسواق تضج بالاستقرار والرخاء، والقدرة الشرائية متاحة للجميع دون عناء أو تمييز.
إن هذا التدفق الوجداني الجارف يوثق بأحرف من نور عصر النهضة الحقيقية التي قادها الزعيم الراحل، حيث شُقت الشرايين الحيوية للطرقات، وتأسست الصروح الشامخة للجامعات والمدارس والمستشفيات، وتحول اليمن في ظله إلى ورشة عمل لا تهدأ، تُبنى فيها المداميك على أسس التنمية المستدامة والمواطنة الصالحة.
ولم تكن حكمة القيادة مقتصرة على الداخل ومؤسساته، بل تجسدت في بناء نظام جمهوري راسخ يستند إلى التعددية السياسية الحقيقية، والتسامح، وحرية الصحافة التي جعلت اليمن منارة ديمقراطية في المنطقة، ومنحت الإنسان اليمني هيبة دولية ومكانة إقليمية رفيعة أينما حل وارتحل.
إن هذا الانفجار المجتمعي من الوفاء الصادق، الذي يتصدر المشهد الرقمي، يعكس إدراكاً شعبياً حصيفاً بأن تلك الحقبة كانت صمام الأمان والركيزة الأساسية التي حفظت توازن البلد، وجمعت المتناقضات بحنكة واقتدار تحت راية الوحدة والشموخ؛ ليبقى اسم علي عبد الله صالح محفوراً في أفئدة الملايين كرمز للزمن الذهبي، وشكل غيابه فراغاً سياسياً كبيراً عجز من بعده عن ملامسة كبريائه، ليزداد الترحم عليه توهجاً كشوق أبدي لدولة قوية رفعت لواء العزة، وصانت إنسانها، وبقيت عصية على الانكسار.