حين تهوي رصاصة طائشة في عتمة ليل المنصورة بعدن، لتخترق جسد طبيبين مغتربين لم يحملا يوماً سوى مبضع الشفاء وبلسم العافية، فإنها لا تقتل إنساناً وحسب.
إنها تطعن خاصرة المدينة في مقتل، وتهتك أستار المروءة العربية، وتضع منظومتنا الأخلاقية والإنسانية برمتها أمام مرآة كاشفة، عارية، وموجعة إلى أبعد الحدود.
إن الفاجعة المأساوية التي أودت بحياة الطبيبين السوريين، الدكتور سامر أحمد حسن، استشاري أمراض الكلى الباطنية وزراعتها، وزوجته الدكتورة سماهر الموسى، استشارية أمراض الروماتيزم والمفاصل والمناعة الذاتية، لم تكن مجرد حادثة أمنية عابرة يمكن قراءتها في شريط الأخبار اليومية كأي عارض أمني يمر به بلد يعيش تموجات الصراع.
ولم تكن مجرد قضاء وقدر ناتج عن اشتباك مسلح محيط بمقر إقامة محافظ عدن في مديرية المنصورة مساء يوم الخميس، بل هي في جوهرها جرس إنذار مرعب ينبهنا إلى خطورة المنزلق الذي يمكن أن تهوي إليه المجتمعات حين يغيب صوت العقل وتُستباح حرمة الدماء تحت أي مبرر كان.
هذه الحادثة تكشف في أبعادها العميقة عن الثمن الباهظ وغير العادل الذي تدفعه الأرواح البريئة في زمن السيولة الأمنية وفوضى السلاح المنفلت، حيث تحوّل فجأة رصاص عشوائي أطلقه أحد حراس منزل المحافظ إلى منجل حصد روحين نذرا نفسيهما لخدمة اليمنيين وتخفيف آلامهم في أدق الظروف الإنسانية وأقساها.
لقد غادر هذا الثنائي الأكاديمي المتميز بلدهما سوريا الجريحة، هرباً من أتون حرب طاحنة أتت على الأخضر واليابس، ليجدا في ثغر اليمن الباسم، عدن، مستقراً وعيادة وميداناً للبذل والعطاء الإنساني في "مستشفى برج الأطباء".
لقد حوّلا لجوءهما واغترابهما الاضطراري إلى رسالة حياة سامية، يتلمسان بها أوجاع المرضى اليمنيين، ويمسحان بها دموع المعذبين في بلد يتقاسم مع بلدهما الأصلي ذات الندوب، وذات المآسي، وذات التشظي.
لكن المأساة لم تتوقف عند حدود تلك الرصاصات الغادرة التي أودت بحياتهما وحياة عدد من الجنود الأبرياء في الموقع، بل امتدت لتكشف عن عورة ثقافية وفكرية بالغة الخطورة في جسد المجتمع، تمثلت في تلك الأصوات الناشزة والمقالات المسمومة التي طفت على السطح متشفية بمقتلهما.
لقد رأينا من يحاول توظيف هذا الفقد الإنساني الجلل، صنيع الفوضى، في حسابات سياسية ضيقة، ومناكفات أيديولوجية، وتصفية حسابات إقليمية لا ناقة للضحايا فيها ولا جمل، في مشهد يمثل ذروة الانتكاسة الأخلاقية.
إن التشفي بالموت، وتحديداً بموت من أتوا مستأمنين، أطباء مداوين ومضمدين لجراح الناس، هو تصرف ينزع عن صاحبه الحد الأدنى من الآدمية والإنسانية، ويتجرد صراحة من أبسط قيم المروءة والشهامة العربية والإسلامية الأصيلة.
هذه القيم لطالما كانت عبر التاريخ سياجاً منيعاً يحمي الضعيف، ويكرم الضيف، ويغيث الملهوف، ويمنح الأمان لكل من التجأ إلى حمانا، مهما بلغت الظروف من قسوة ومهما اشتدت الأزمات الاقتصادية والسياسية.
أن يُقابل بياض رداء الطبيب بنقاط سوداء من الحقد والشماتة والتوظيف البليد، هو هبوط قيمي سحيق يعكس حشواً فكرياً مريضاً، وضيق أفق يرى العالم من خرم إبرة التمترس الأعمى خلف الولاءات الضيقة التي تلغي العقل والضمير.
هذا السلوك الهابط، الغريب والدخيل على طباع اليمنيين وأصالتهم، لا يمثل بأي حال من الأحوال جوهر ثقافة هذا الشعب الفطرية، التي تأسست على مدار القرون على صون العهود، وحرمة الجار، واحترام الإنسان لإنسانيته قبل دينه وعرقه وانتمائه.
اليمن، عبر تاريخها الطويل، كانت ملاذاً للشعوب، وموئلاً للأحرار، ومحط رحال المستأمنين، ولم تُعرف يوماً بغدر الضيف أو الشماتة بدم المكلوم، وما يحدث اليوم من بعض الأقلام هو تشويه متعمد ومقزز لهذه الهوية الحضارية الناصعة.
لكل من انزلق في مستنقع الشماتة والتبرير، ولكل من كتب حرفاً يتشفى فيه بدم هذين الطبيبين تحت أي حجة أو ذريعة، نقول بملء الفم وبيقين الفكر والوعي: حتى وإن ثبتت صحة ما تزعمون من حكايات، أو خلفيات، أو انحيازات سياسية سابقة للضحايا، فإن الأوطان العزيزة والنفوس الكريمة لا تجعل من ساحاتها مكاناً للانتقام أو لتصفية الضغائن التاريخية.
خاصة حين يكون المستهدف مستأمناً قدم إلى أرضنا بصفة لاجئ أو مغترب، يطلب الأمان بين ظهرانينا، ويسكب زهرة شبابه وخبرته العلمية في مداواة مرضانا، وإعادة الأمل لعائلات يمنية كثيرة كانت تجد في علمهما بلسماً حقيقياً.
إن هذا الفكر الانتقامي العشوائي المنفلت من عقاله يطعن سمعة اليمن في الصميم، ويهشم صورتها أمام المجتمع الدولي، ويمحو بجرة قلم تاريخاً طويلاً من الضيافة والأمان الإنساني الذي تميزت به بلادنا تاريخياً بين سائر الأمم.
عندما يتحول البلد في نظر العالم إلى مسرح للاقتصاص العاطفي الأرعن، وللأخذ بالثأر السياسي خارج أطر الدولة، فإن أول ما ينهار هو المستقبل، وتتبدد معه كل فرص الاستقرار والنهوض الاقتصادي والاجتماعي.
البيئة الاستثمارية التي نسعى لتهيئتها، وإنعاش الحركة الاقتصادية في العاصمة المؤقتة عدن، تتطلب بالضرورة سيادة القانون، وشعور الفرد - مواطناً كان أم مقيماً أم مستثمراً أم زائراً - بالأمان المطلق على دمه وماله وعرضه، وأن هناك دولة تحميه وليست غابة تترصد به.
إن استمرار هذا الخطاب التحريضي المقيت يجعل من اليمن بيئة طاردة، بل بلداً غير مرغوب في اللجوء إليه أو العيش فيه، وهو ما يعزلنا أخلاقياً وسياسياً عن محيطنا الإنساني والعربي، ويحملنا وزر دماء بريئة وجناية فكرية ستدفع الأجيال القادمة ثمنها غالياً من سمعتها ومكانتها وجواز سفرها وهويتها بين الأمم.
يا هؤلاء، افهموا منطق السياسة في أبعادها الكبرى والاستراتيجية، وانظروا إلى وعاء المستقبل بنظرة رجال الدولة والمثقفين الحقيقيين، ولا تقيموا الأمور الكبرى والمصيرية بميزان العواطف الفجة، أو الانتماءات الحزبية والمناطقية الضيقة التي تعمي البصائر قبل الأبصار، وتورد المجتمعات موارد الهلاك.
الدول لا تُدار بنزوات الثأر العابرة للحدود، والمجتمعات لا تستقيم ولا تزدهر بتبني شريعة الغاب التي يأكل فيها القوي الضعيف، بل تُبنى وترتفع بالمواثيق، والدساتير، والالتزام بالعهود، واكتساب الثقة الدولية التي تؤكد أن القانون هو المرجعية الفاصلة والوحيدة فوق الجميع بلا استثناء.
إن عالمنا المعاصر محكوم بقوانين دولية، ومعاهدات منظمة، وحقوق إنسانية واضحة وصارمة لا يمكن القفز عليها، ومن كان له حق، أو مظلمة، أو قضية تجاه أي فرد أو جهة على وجه الأرض، فإن المشرع القانوني والدستوري قد وضع لها قنوات رسمية واضحة.
المحاكم الوطنية، والقضاء العادل، والقنوات الدبلوماسية، والإنتربول الدولي، هي الجهات الحصرية والشرعية المخولة ببحث هذه القضايا والنظر في الوثائق وإحقاق الحقوق وردع المذنبين، دون حيف أو تجاوز أو اعتداء على الأبرياء بجريرة غيرهم.
أما أن تُستباح دماء الآمنين في الشوارع بطلقات عشوائية، ثم يخرج من بيننا من ينصب نفسه قاضياً وجلاداً خلف شاشات الهواتف، ليبرر الجريمة ويسفك كرامة الضحية حياً وميتاً، مدعياً - في جهل مركب وخطيئة فكرية كبرى - أن ما حدث هو "عدالة إلهية"، فهذا لعمري أشد أنواع التجرؤ على الذات الإلهية وعلى منطق الدين الإسلامي الحنيف.
إن هذا الفهم السقيم والمشوه للعدالة الإلهية يمثل انحرافاً عقائدياً وفكرياً خطيراً يتطلب الوقوف ضده بحزم، فالعدالة الإلهية المطلقة موعدها يوم القيامة بين يدي أحكم الحاكمين الذي لا يظلم عنده أحد، ويقتص للوعل من الوعل.
أما في حياتنا الدنيا، فقد تجلت إرادة الله وشريعته الغراء في إقامة العدل وتثبيت الأمن عبر مؤسسات القضاء، والتحقيقات العادلة، والبينات والشهود، والمحاكم الشرعية والقانونية التي تكفل للمتهم حق الدفاع وتمنع اختلاط الحابل بالنابل وفوضى الدماء المستطيرة.
إن ادعاء العدالة الإلهية في حوادث القتل العشوائي، أو التفجيرات، أو الغدر بالأبرياء، ليس سوى محاولة بائسة وخبيثة لتغطية العجز الأخلاقي، وتبرير البشاعة الإنسانية بعباءة الدين والقدر، وهو سلوك يرفضه الشرع القويم وتأباه الفطرة السوية التي جبلت على تعظيم النفس البشرية التي حرم الله قتلها إلا بالحق المبين.
إننا اليوم، وأمام فاجعة الدكتور سامر والدكتورة سماهر، لسنا أمام قضية جنائية أو حادثة سير أو خطأ أمني فحسب، بل نحن أمام معركة وعي وجودية وثقافة مجتمعية، يتوجب على المفكرين، والأدباء، والإعلاميين، ورجال الدين، وكل غيور على هذا الوطن أن يقفوا فيها حائط صد منيعاً ضد ثقافة الكراهية والتشفي والتباغض.
يجب أن نرفع صوت العقل والضمير عالياً لنطهر الفضاء العام والمنصات الرقمية من درن هذه التدوينات والمقالات التي تنهش في جسد قيمنا، وتسيء لتضحيات شعبنا، وتظهرنا أمام العالم كأمة تبرر الجريمة، وتستسيغ القتل، وتهلل لموت الضيف والمستجير.
إن الصمت على خطاب التشفي هو بمثابة تواطؤ ضمني معه، وتغذية لروح التطرف الفكري التي تخلق بيئة خصبة للجريمة والقمع وفوضى السلاح، ولذلك فإن إدانة هذا الخطاب واجب ديني وأخلاقي ووطني لا يحتمل الرمادية أو الوقوف في المنطقة الوسطى.
الرحمة والمغفرة للطبيبين الراحلين اللذين تركا بصمة شفاء غائرة في أجساد الكثير من مرضانا، وسيبقى ذكرهما العطر وطيب أثرهما في قلوب الشرفاء من أبناء عدن واليمن قاطبة، شاهداً على نبل رسالتهما الإنسانية، وقبح الفوضى التي اختطفت منهما الحياة في أوج عطائهما.
وعزاؤنا الخالص لعائلتهما ومحبيهما وزملاء المهنة في مستشفى برج الأطباء، وفي كل الصروح الطبية التي حزنت اليوم لرحيلهما المفجع والمؤلم.
وليعلم كل من يتشفى، أو يحرض، أو يبرر السقوط، أن الكلمات مواقف تُسجل في أنصع أو أحلك صفحات التاريخ، وأن التاريخ لا يرحم الساقطين أخلاقياً، وأن السمعة الدولية للأوطان تصنعها أخلاق شعوبها، ومدى احترامها للنفس البشرية وصونها للحقوق، وليس صراخ العواطف المنفلتة في دهاليز الأحقاد الضيقة والجهل العريض.