أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على أسعار الفائدة دون تغيير، في قرار لا يقتصر تأثيره على الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل يمتد ليصبح مرجعاً غير معلن لتكلفة الاقتراض عالمياً، لا سيما في الأسواق الناشئة والدول المرتبطة بعملاتها بالدولار.
ثبت البنك الفيدرالي أسعار الفائدة عند نطاق 3.5% و3.75%، للمرة الرابعة على التوالي، متماشياً مع توقعات الأسواق، وذلك في ظل تسارع بيانات التضخم لشهر مايو/أيار، المتأثرة بالأحداث الجيوسياسية. يأتي هذا التثبيت ليواصل فترة توقف بدأت عقب خفض الفائدة في ديسمبر/كانون الأول 2025.
تأتي مرحلة التثبيت الحالية عقب واحدة من أعنف دورات التشديد النقدي في التاريخ الحديث، حيث رفع الفيدرالي الفائدة بوتيرة سريعة بين مارس/آذار 2022 ويوليو/تموز 2023 لمواجهة موجة تضخم حادة. وقد أدت هذه الدورة إلى صعود قوي للدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، مما شدد الأوضاع المالية عالمياً.
يؤكد الخبراء المصرفيون أن الفيدرالي الأميركي لا يصدر أوامر للبنوك المركزية الأخرى، بل يغير البيئة التي تعمل فيها. فعندما يرفع الفائدة، تصبح الأصول الدولارية، خاصة سندات الخزانة الأميركية، أكثر جاذبية. وعندما يخفضها، تنخفض عوائد تلك الأصول وتتحسن شهية المستثمرين للمخاطرة في أسواق أخرى. هذا يجعل كل بنك مركزي مجبراً على النظر في قرار الفيدرالي قبل اتخاذ قراراته المحلية، نظراً لتأثيره على خروج رؤوس الأموال، وضغط العملات، وتكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار.
يعود السبب الأعمق لتأثير الفيدرالي إلى كون الدولار العملة المركزية في النظام المالي العالمي، حيث يُستخدم في الاحتياطيات الرسمية، وتسعير التجارة الدولية، وإصدار الديون، ومعاملات سوق الصرف. تشير البيانات إلى أن الدولار شكّل 58% من الاحتياطيات الأجنبية الرسمية المعلنة عالمياً في 2024، وكان طرفاً في نحو 88% من معاملات سوق الصرف العالمية في 2022. هذا يعني أن أي تغيير في عائد الدولار يغير فوراً حسابات المستثمرين والبنوك المركزية حول العالم.
تُعد سوق سندات الخزانة الأميركية القناة الثانية للتأثير، حيث تُعتبر المرجع الأهم للعائد الخالي من المخاطر عالمياً. عندما ترتفع عوائد السندات الأميركية، ترتفع معها عادة تكلفة الاقتراض السيادي وقروض الشركات في أسواق عديدة. لذلك، تراقب الأسواق عن كثب عائد السندات لأجل عامين وعشرة أعوام، والذي يعتبر معياراً لتكلفة التمويل العالمية.
تتأثر الأسواق الناشئة بدرجة أكبر نظراً لاعتمادها على التمويل الخارجي ووجود ديون مقومة بالدولار. فعندما يرتفع الدولار أو الفائدة الأميركية، تزيد كلفة خدمة هذه الديون، وقد تضطر البنوك المركزية المحلية إلى رفع الفائدة لديها. وقد حذّر صندوق النقد الدولي من أن رفع الفائدة الأميركية بوتيرة أسرع قد يؤدي إلى اضطراب الأسواق المالية وخروج رؤوس الأموال وتراجع عملات الاقتصادات الناشئة.
في الاقتصادات التي ترتبط عملاتها بالدولار، كمعظم دول الشرق الأوسط، يكون تأثير الفيدرالي أكثر مباشرة. تتحرك البنوك المركزية في هذه الدول غالباً بعد قرارات الفيدرالي للحفاظ على استقرار الربط ومنع فجوات كبيرة في أسعار الفائدة. هذا يجعل قرار الفيدرالي مؤثراً فورياً على تكلفة التمويل في قطاعات متنوعة في المنطقة.
حتى البنوك المركزية ذات العملات العائمة، مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك اليابان، تراقبه بدقة لأن قراراته تؤثر في أسعار الصرف، وأسعار الطاقة والسلع، وحركة رأس المال العالمية. وإذا أبقى الفيدرالي الفائدة مرتفعة بينما يخفض بنك آخر فائدته، قد تضعف عملة ذلك البلد أمام الدولار، مما يزيد تكلفة الواردات ويغذي التضخم.
لا تنتظر الأسواق عادة صدور قرار الفيدرالي نفسه، بل تعيد التسعير قبل الاجتماع بناءً على البيانات الاقتصادية وتصريحات أعضاء البنك. وقد تتحرك العملات والسندات والأسهم بقوة حتى إذا جاء القرار مطابقاً للتوقعات، كما حدث في يوليو/تموز 2025 وسبتمبر/أيلول 2022.
بالنسبة لتثبيت الفائدة اليوم، يرى الخبراء أن الفيدرالي لا يرى سبباً كافياً للتيسير بعد، لكنه لا يريد أيضاً تشديد السياسة فوراً في ظل ضبابية التضخم وأسعار الطاقة والنمو. السؤال الأهم للأسواق سيكون ما إذا كان الفيدرالي لا يزال يميل إلى الخفض لاحقاً، أم أن التثبيت أصبح جسراً نحو تشديد جديد. الإجابة ستحدد اتجاه الدولار، وعوائد سندات الخزانة، وتدفقات الأموال، وقرارات البنوك المركزية الأخرى.