تواجه الجمهورية اليمنية منعطفاً تاريخياً هو الأكثر تعقيداً منذ انقلاب مليشيا الحوثي الإرهابية على التوافق الوطني في سبتمبر من العام 2014م، إذ يتزامن استمرار المعاناة الإنسانية والاقتصادية الطاحنة للشعب اليمني مع دخول المنطقة في موجة جديدة من التفاهمات والاتفاقيات الدولية والإقليمية، وعلى رأسها التفاهمات الأمريكية الإيرانية الأخيرة الرامية إلى إيقاف الحرب وضمان التهدئة.. وفي غمرة هذه التحولات المتسارعة يبرز التساؤل المصيري حول موقع القضية اليمنية ومسار معركة استعادة الدولة وإسقاط الانقلاب في ظل محاولات ترحيل الأزمات وتبريد الملفات الساخنة دون وضع حلول جذرية تنهي أسباب الصراع الحقيقية وتضمن بقاء اليمن دولة موحدة وذات سيادة تحت قيادة حكومتها الشرعية المعترف بها دولياً.
وتقف الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي اليوم أمام حقيقة جيوسياسية جديدة تفرض عليها الموازنة بين مقتضيات الضغوط الدولية الرامية لوقف إطلاق النار وبين واجبها الوطني والدستوري في تحرير المواطنين من سلطة القمع الحوثية، حيث يتطلب هذا المشهد المعقد قراءة واعية وموقفاً حازماً يتجاوز لغة الوعود الدبلوماسية إلى فرض وقائع ميدانية واقتصادية تمنع شرعنة الانقلاب أو تحويل الملف اليمني إلى مجرد ورقة مقايضة في بازار المصالح بين القوى الكبرى والإقليمية، وتأكيد أن أي تسوية لا تضمن إنهاء المظاهر المسلحة للمليشيا واستعادة مؤسسات الدولة لن تكون إلا تأجيلاً لحرب أكثر ضراوة وتدميراً.
التفاهمات الأمريكية الإيرانية وانعكاساتها على الجغرافيا اليمنية
جاءت مسارات التهدئة الأخيرة والتفاهمات بين واشنطن وطهران لتعيد رسم خريطة الأولويات في الشرق الأوسط، حيث ركزت المذكرة الدولية الأخيرة على إيقاف العمليات العسكرية المتبادلة وتأمين الممرات المائية في البحر الأحمر ومضيق هرمز مقابل تفاهمات سياسية واقتصادية أشمل.. وفي هذا السياق يجد الملف اليمني نفسه في قلب هذه المعادلة باعتباره الورقة الأكثر استخداماً من قبل طهران لابتزاز المجتمع الدولي وتهديد الملاحة البحرية ومصالح الطاقة العالمية، الأمر الذي جعل القوى الدولية تبحث عن صيغة مهدئة تضمن وقف الهجمات الحوثية البحرية مقابل تقديم تنازلات قد تأتي على حساب القضية المركزية للشعب اليمني وهي إنهاء الانقلاب واستعادة النظام الدستوري.
وترى النخب السياسية اليمنية، أن خطورة هذه التفاهمات تكمن في محاولة اختزال الأزمة اليمنية ببعدها الخارجي المتمثل في تأمين السفن التجارية والمنشآت النفطية الإقليمية مع إغفال الجوهر الداخلي المتمثل في انقلاب مليشيا سلالية على الإجماع الوطني، وهو ما قد يمنح الحوثيين فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب صفوفهم العسكرية وفرض سلطة الأمر الواقع كأمر مسلم به دولياً، حيث تبدو الصيغ المطروحة للتهدئة وكأنها تكافئ المعتدي وتثبت مكاسبه الجغرافية والمالية بدلاً من محاسبته على جرائمه المستمرة بحق الملايين من أبناء الشعب اليمني الذين يدفعون ثمن هذا الخذلان الدولي من قوتهم وحرياتهم اليومية.
موقع الحكومة الشرعية في خارطة الطريق الجديدة
تجد الحكومة اليمنية نفسها أمام تحدي إثبات الوجود وفرض الشروط في أي مسار تسوية قادم تحت رعاية أممية وإقليمية، حيث تحاول القوى الدولية الضغط باتجاه صياغة خارطة طريق تجمع الأطراف اليمنية على طاولة مفاوضات شاملة لإنهاء الحرب، غير أن المعطيات الراهنة تشير إلى أن هذه الخارطة قد تحمل في طياتها مخاطر جمة إذا لم تستند بشكل صارم إلى المرجعيات الثلاث الثابتة وهي المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني والقرار الأممي 2216 والتي تنص بوضوح على ضرورة تسليم السلاح واعتراف الجميع بالشرعية الدستورية كوسيلة وحيدة للوصول إلى السلام المستدام.
إن الموقف الرسمي والشعبي في اليمن ينظر بكثير من التوجس إلى مسار هذه التسويات، كونها تميل نحو تهدئة مؤقتة تضمن مصالح الأطراف الخارجية دون حل الأزمة البنيوية لليمن، فالقبول بأنصاف الحلول أو دمج المليشيا الحوثية في مؤسسات الدولة قبل تخليها عن سلاحها وعقيدتها الطائفية التدميرية سيعني حتماً تفخيخ مستقبل اليمن وتحويله إلى بؤرة صراع دائم يهدد الجوار الجغرافي بشكل مستمر، ومن هنا ينبع تمسك الشرعية بضرورة وجود ضمانات دولية حقيقية وصارمة تمنع الحوثيين من استخدام أموال وموارد الدولة المستعادة في تمويل مشاريعهم التوسعية والحروب المستقبلية.
الاستحقاق العسكري واللوجيستي
أثبتت التجارب الطويلة مع مليشيا الحوثي طوال العقد الماضي أنها لا تؤمن بلغة الحوار الدبلوماسي ولا تنصاع للقرارات الدولية إلا عندما تتعرض لانكسار عسكري حاد يهدد وجودها ومراكز نفوذها الرئيسية، ومع دخول المنطقة في أجواء التفاهمات الدولية يبرز المسار العسكري كأهم الأوراق التي يجب على الحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية تفعيلها؛ لضمان عدم تقديم تنازلات مجانية، فالقوة العسكرية هي الضامن الوحيد لفرض شروط السلام العادل وليس الاستجداء على أعتاب العواصم الدولية التي تبحث عن تهدئة مؤقتة لملفاتها الخاصة.
ويستوجب هذا المسار تقديم دعم عسكري ونوعي عاجل للقوات المسلحة اليمنية في مختلف الجبهات، يشمل تزويدها بالأسلحة الحديثة والمنظومات الدفاعية المتطورة، وتكثيف برامج التأهيل والتدريب التخصصي وضمان انتظام صرف المرتبات والمستحقات المادية للمقاتلين في الخطوط الأمامية.
إن تعزيز القدرات القتالية للجيش الوطني هو السبيل الوحيد لإجبار المليشيا الانقلابية على الرضوخ للحل السياسي الحقيقي وحماية المكتسبات الوطنية من الضياع في غرف المفاوضات الدولية التي تغلب المصالح الآنية على الحقوق التاريخية للشعوب.
الإنقاذ الاقتصادي
يمثل الجانب الاقتصادي المعركة الأشد ضراوة في الوقت الراهن، حيث تشن المليشيا الحوثية حرباً اقتصادية ممنهجة ضد الحكومة اليمنية والمحافظات المحررة، من خلال استهداف منشآت تصدير النفط الخام في حضرموت وشبوة، وحصار الموانئ ومحاربة العملة الوطنية في مناطق سيطرتها، مما أدى إلى تجفيف موارد الدولة وحدوث عجز مالي كبير أثر على قدرة الحكومة في تقديم الخدمات الأساسية ودفع المرتبات.. وفي ظل التفاهمات الدولية الأخيرة يتوجب أن يكون الملف الاقتصادي في مقدمة الأولويات عبر إلزام المليشيا برفع الحصار الاقتصادي الشامل والسماح باستئناف تصدير النفط فوراً ودون قيود.
إن دعم الاقتصاد اليمني واستقرار العملة المحلية يتطلب تدخلاً دولياً وإقليمياً حازماً عبر تقديم ودائع مالية مباشرة للبنك المركزي اليمني وتمويل مشاريع التنمية المستدامة والبنية التحتية لتخفيف وطأة المعاناة عن المواطنين وقطع الطريق أمام الابتزاز الحوثي المستمر، الذي يستغل الأوضاع الإنسانية الصعبة لتحقيق مكاسب سياسية ومادية ومالية.. وتؤكد الحكومة اليمنية أن الاستقرار الاقتصادي في المناطق المحررة هو المدخل الحقيقي لبناء النموذج الجاذب للدولة وتثبيت مداميك الشرعية الدستورية في مواجهة الفوضى والدمار الذي تكرسه المليشيا الطائفية.
التحرك الدبلوماسي
تواجه الدبلوماسية اليمنية في هذه المرحلة الدقيقة مسؤولية تاريخية لمواكبة التفاهمات الأمريكية الإيرانية، والتحرك بفاعلية في المحافل الدولية لشرح أبعاد وخفايا الموقف اليمني، وتأكيد أن الأمن الإقليمي والدولي لا يمكن أن يتحقق من خلال استرضاء المليشيا الإرهابية بل عبر دعم الحكومة الشرعية كشريك وثيق ووحيد قادر على حماية الممرات المائية ومكافحة الإرهاب واستعادة الاستقرار في هذه البقعة الاستراتيجية من العالم.
ويجب على التحرك الدبلوماسي اليمني التركيز على كشف زيف التعهدات الحوثية والإيرانية، والتحذير من مغبة الوقوع في فخ الوعود الشفهية التي سرعان ما تنقلب عليها المليشيا عند أول اختبار حقيقي.. كما ينبغي حشد مواقف الدول الشقيقة والصديقة للضغط باتجاه تصنيف المليشيات كمنظمة إرهابية عالمية بشكل دائم وتشديد العقوبات على قياداتها وشبكاتها المالية الممتدة في المنطقة والعالم، لضمان تجفيف منابع دعمها ومنعها من تقويض جهود السلام الحقيقية.
المسؤولية الوطنية المشتركة
إن النتيجة الحتمية التي يجب أن يدركها الجميع هي أن صياغة مستقبل اليمن الجديد واستعادة الدولة وإسقاط الانقلاب الإرهابي هي في المقام الأول مسؤولية وطنية يمنية خالصة لا يمكن رهنها بالتفاهمات الخارجية أو الاتفاقات الدولية التي تتغير بتغير المصالح السياسية للدول الكبرى، ويتوجب على كافة القوى والمكونات السياسية والاجتماعية المنضوية تحت لواء الشرعية تعزيز وحدة الصف وتجاوز الخلافات البينية والعمل بروح الفريق الواحد لمواجهة الخطر الحوثي الوجودي الذي يستهدف هوية وعقيدة وتاريخ الشعب اليمني.
ويبقى وعي الشعب اليمني وصموده في وجه المشروع الطائفي هو الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات ومحاولات الالتفاف على تطلعاته المشروعة في الحرية والكرامة والعدالة والمواطنة المتساوية.. ومع استمرار الإسناد الصادق المدروس من الأشقاء في تحالف دعم الشرعية ستمضي الحكومة اليمنية نحو فرض خياراتها الوطنية وتحقيق النصر الحتمي الذي يعيد لليمن أمنه واستقراره، ويضعه في مكانه الطبيعي كعضو فاعل ومستقر في المنظومة العربية والدولية.