أخبار محلية

ايطاليا "الجمهورية القلقة": كيف تفكك جورجيا ميلوني شفرة النظام السياسي الإيطالي؟

المنتصف نت- المنتصف نت 18/06/2026 11:16 213 مشاهدة
ايطاليا "الجمهورية القلقة": كيف تفكك جورجيا ميلوني شفرة النظام السياسي الإيطالي؟

تاريخياً، ارتبط النظام السياسي الإيطالي في الأذهان بصورة "الباب الدوار"؛ حكومات سريعة التشكل وسريعة الانهيار، وتحالفات تولد وتموت في أروقة البرلمان. ومع ذلك، يقدم المشهد السياسي الحالي (اعتباراً من عام 2026) استثناءً لافتاً تقوده رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، التي نجحت في الحفاظ على تماسك حكومتها وإدارة سياسة خارجية حازمة. لفهم هذا "الاستثناء"، لا بد من العودة إلى القواعد الهيكلية للنظام الإيطالي كما فككها الدكتور كريم فرمان في كتابه الأكاديمي (اطروحته للدكتوراة عن ازمات النظام السياسي الإيطالي) حيث ركز على الخصوصية الدستورية والحزبية لروما.
أولاً: سمات النظام السياسي الإيطالي كما 
يوضح الدكتور فرمان في أطروحته أن النظام الإيطالي يعاني من "تشرذم بنيوي" مقصود وضعه واضعو دستور عام 1948 لمنع عودة الديكتاتورية. وتتلخص سمات هذا النظام في ثلاثة محاور:

* البرلمانية الكاملة والمفرطة: سلطة تشريعية متساوية تماماً بين غرفتي البرلمان (النواب والشيوخ)، مما يجعل بقاء أي حكومة رهناً برضا ائتلافي مزدوج ومتذبذب.
* السيولة الحزبية العالية: غياب الحزب القائد، والاعتماد المطلق على ائتلافات هشة تجمع أطيافاً متناقضة، حيث يملك كل شريك صغير القدرة على إسقاط الحكومة بسحب وتفتيت الأصوات.
* رئيس الوزراء كـ "منسق" لا كـ "زعيم": فالدستور الإيطالي يمنح رئيس مجلس الوزراء صفة الموجه والمنسق لأعمال الوزراء، لكنه لا يمنحه سلطة رئاسية مطلقة لإقالتهم، مما يجعله وسيطاً مستمراً بين الكتل.

ثانياً: قوة شخصية ميلوني البراغماتية الحذرة
في بيئة سياسية تتسم بسرية التغير والتحالفات، استندت ميلوني إلى سمات شخصية صارمة مكنتها من تطويع هذه العقبات الدستورية:

* الكاريزما الهوياتية مقابل المرونة المؤسسية: تجمع ميلوني بين خطاب يميني وطني يرضي قاعدتها الاستعراضية، وبين براغماتية مفرطة خلف الأبواب المغلقة لإرضاء شركاء الائتلاف (مثل حزبي "فورزا إيطاليا" والـ "رابطة").
* التدجين المتبادل لشركاء الحكم: بدلاً من الصدام مع حلفائها المنافسين، اعتمدت سياسة "احتكار القيادة مع توزيع المكتسبات"، مستغلة تراجع أوزانهم الانتخابية لفرض انضباط حكومي غير معتاد في روما.

ثالثاً: الثبات في السياسة الخارجية واستراتيجية المناورة
تعد السياسة الخارجية لإيطاليا تحت قيادة ميلوني التطبيق العملي الأبرز لكيفية تحويل "ضعف النظام الداخلي" إلى "أوراق قوة إقليمية":

* العلاقات الأطلسية والأوروبية: فاجأت ميلوني خصومها بتبني خط "أطلسي" صارم، ودعم مطلق لأوكرانيا، والاندماج الذكي في السوق الأوروبية الموحدة، مما نزع سلاح المعارضة الخارجية وجعلها شريكاً موثوقاً في بروكسل وواشنطن.
* خطة "ماتي" وأفريقيا: نجحت في فرض إيطاليا كجسر استراتيجي بين أوروبا وشمال أفريقيا عبر مشاريع الطاقة ومكافحة الهجرة، محققة استقلالية دبلوماسية نابعة من المصالح القومية المباشرة لروما.
تثبت تجربة جورجيا ميلوني أن فهم آليات عمل النظام السياسي كما نظرت لها  ليس عائقاً أمام الاستمرارية، بل هو دليل إرشادي للمناورة. لقد استطاعت ميلوني، حتى الآن، أن تقود دفة بلد غيّر حكوماته عشرات المرات منذ الحرب العالمية الثانية، محولةً النظام الإيطالي من ساحة صراع لإنتاج الأزمات إلى نموذج استقرار مؤقت أثار دهشة العواصم الأوروبية.