تواجه مهنة التصوير والتوثيق الإعلامي والمستقل في محافظة إب، وسط اليمن، هجمة قمعية غير مسبوقة تقودها الأجهزة الأمنية التابعة لمليشيا الحوثي. وتحولت المحافظة، التي تصدرت طويلاً المشهد السياحي والجمالي في البلاد، إلى بيئة طاردة وخطرة لصناع المحتوى والمصورين الفوتوغرافيين وموثقي المناسبات الاجتماعية والرياضية.
ولم تعد الملاحقات تقتصر على الناشطين السياسيين أو الإعلاميين الحزبيين، بل امتدت لتشمل مصوري الأعراس وحفلات التخرج، في مؤشر خطير يعكس رغبة المليشيا في فرض عزلة تامة على المحافظة وطمس معالم الحياة الطبيعية واليومية فيها.
موجة احتقان وتذمر
تتصاعد في الآونة الأخيرة موجة عارمة من الاحتقان والرفض المكتوم في أوساط المصورين بمحافظة إب، والذين وجدوا أنفسهم فجأة بين مطرقة الحاجة المعيشية وسندان البطش الأمني.
فقد عبر العشرات من هؤلاء المهنيين عن ضيقهم الشديد جراء تصاعد القيود الحوثية التي جعلت من حمل الكاميرا تهمة جنائية تقود صاحبها إلى غياهب السجون.
وينقل مصورون محليون في إب لوكالة خبر، حالة الرعب اليومي التي يعيشونها؛ يقول أحدهم بمرارة تحاكي الواقع المعيش: "أين عاد نذهب من هذا الوضع؟ أشهد لله أننا نشتغل ونحن في حالة قلق وخوف دائمين"، مشيراً إلى أن مهنة التصوير لم تعد مصدراً للرزق بقدر ما أصبحت تذكرة مجانية للاختطاف والتعسف الأمني.
ويضيف مصور آخر متسائلاً بإنكار: "لو عاد كان الرزق بيد هؤلاء (الحوثيين) كيف بيفعلوا؟ والله لا يقطعوه على الناس كلهم، ولكن الرزق بيد الله".
من حفلات التخرج إلى الأعراس.. خنق الفرح ومطاردة "الدرون"
بدأت سلسلة التضييق الحوثية بخطوات تدريجية شملت منع تصوير دفع التخرج والاحتفالات الأكاديمية بالجامعات والمعاهد، تحت مبررات واهية تارة باسم الحفاظ على الهوية الإيمانية وتارة أخرى بدعوى غياب التصاريح المسبقة.
ورغم التزام المصورين بتلك القيود القاسية تجنباً للمشكلات، إلا أن شهية المليشيا القمعية امتدت لتعطيل وعرقلة حفلات الأعراس والمناسبات العائلية الخاصة.
وتؤكد الشهادات الميدانية أن المليشيا شرعت مؤخراً في احتجاز أي مصور يعتمد على طائرات التصوير المسير الصغيرة (الدرون) التي باتت جزءاً أساسياً من توثيق الحفلات والمناسبات الفرائحية.
وعبّر أحد المصورين المتضررين من هذه الإجراءات بغضب عارم قائلاً: "يعرقلون الأعراس ويحبسون المصورين لمجرد أنهم يصورون العرس بطائرة درون! هذا جنان مطلق، الكفار لا يفعلون هكذا ببعضهم، لقد تجاوز هؤلاء كل الحدود الأخلاقية والأعراف المجتمعية".
الكحلاني.. قائد حملة الملاحقة
تشير أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى القيادي الحوثي المدعو "أبو علي الكحلاني"، المعين من قبل المليشيا مديراً لأمن محافظة إب. وتؤكد مصادر مطلعة لـوكالة خبر أن الحوثي الكحلاني هو المهندس الأول لهذه الحملة القمعية؛ إذ أصدر توجيهات صارمة وحازمة لكافة النقاط الأمنية وأقسام الشرطة، بالإضافة إلى إدارة المرور، بتعقب وملاحقة أي شخص يحمل كاميرا أو يقوم بالتصوير في شوارع المدينة وضواحيها.
وتوضح المصادر أن إدارة المرور في إب تحولت بفعل توجيهات الكحلاني إلى أداة تفتيش ورصد، حيث يترصد عناصرها للمصورين أثناء تنقلهم بين قاعات الأفراح أو الملاعب الرياضية، ويتم اقتيادهم فوراً إلى مراكز الاحتجاز دون أي مسوغ قانوني.
ويرى مراقبون أن إشراف القيادات العليا للمليشيا على هذه الحملة يثبت أنها سياسة ممنهجة ومنظمة تهدف إلى تجفيف مصادر العيش المستقلة وإخضاع كافة الأنشطة المدنية للرقابة الأمنية اللصيقة.
شلل تام
لم تقتصر الأضرار الناتجة عن هذه الحملة الحوثية على قطاع المناسبات والأعراس فحسب، بل ضربت بعمق قطاع الإعلام الرياضي والمحتوى الإنساني والسياحي.
وبات المصورون الرياضيون الذين يغطون البطولات المحلية والمباريات الشعبية في ملاعب المحافظة عاجزين عن أداء مهامهم خوفاً من مصادرة معداتهم الثمينة أو التعرض للاعتداء الجسدي واللفظي من قبل المشرفين الحوثيين.
كما تسبب هذا التضييق الصارم في اعتزال عدد من كبار المصورين والفنانين الفوتوغرافيين في إب، والذين آثروا بيع معداتهم والجلوس في منازلهم على التعرض للإهانة في سجون المليشيا.
واعتبر إعلاميون محليون، أن قمع المصورين الرياضيين والسياحيين هو محاولة واضحة من الحوثيين لفرض سردية واحدة وصورة قاتمة تتناسب مع أجندتهم الطائفية، وتمنع إظهار أي مظاهر للحياة الطبيعية أو التنوع المدني الذي تميزت به محافظة إب على مر العقود.
أمام هذا الواقع المأساوي، أطلق ناشطون وحقوقيون في محافظة إب نداءات استغاثة عاجلة لنقابة الصحفيين اليمنيين والاتحاد الدولي للصحفيين والمنظمات الحقوقية الأممية، للتدخل السريع والتنديد والضغط على المليشيا لوقف التوتير الأمني وملاحقة صناع المحتوى.
وأكد الحقوقيون أن حرمان مئات الشباب من مصدر رزقهم الوحيد في ظل الأوضاع الاقتصادية المنهارة يمثل جريمة عقاب جماعي تدفع بعائلات بأكملها نحو رصيف الفقر والجوع.
ويختصر أحد المصورين الباقين في المهنة المشهد الإنساني لزملائه بعبارة تلخص المعاناة المستمرة: "الشاهد الله أننا مصوري محافظة إب نعاني الأمرين في شغلنا ومصدر رزقنا، أصبحنا نكافح من أجل لقمة العيش وكأننا نرتكب جريمة.. وللحديث بقية". في إشارة إلى أن قائمة الانتهاكات الحوثية تطول وتتسع يوماً بعد يوم، وسط صمت حقوقي محلي ودولي وتجاهل حقوقي مستمر لما يدور خلف جدران الخوف في عاصمة السياحة اليمنية المغتصبة.