خيب الاتفاق الأمريكي الإيراني آمال كثير من اليمنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة عصابة الحوثي، الذين كانوا يراهنون على أن أي تفاهمات بين واشنطن وطهران ستنعكس مباشرة على الأزمة اليمنية الممتدة منذ أكثر من عشر سنوات، عبر تخفيف حدة التصعيد وفتح نافذة لمعالجة الملفات الإنسانية والمعيشية الأكثر إلحاحاً.
غير أن التطورات على الأرض تشير إلى عكس ذلك تماماً، إذ تتضاعف الكلفة الإنسانية والاقتصادية التي يدفعها المدنيون نتيجة إصرار عصابة الحوثي الإرهابية على المضي في حماقاتها العسكرية وتصعيدها الممنهج، وتحويل البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة لخدمة حسابات إقليمية تتصدرها الأجندة الإيرانية، دون اكتراث بالتداعيات الكارثية التي تقوض الاستقرار المعيشي للمواطنين وتدمر ما تبقى من بنية تحتية أنهكتها سنوات الحرب.
حيث عمدت العصابة خلال الفترات الماضية إلى عسكرة البحر الأحمر وتوسيع دائرة التصعيد الإقليمي تنفيذاً لإملاءات الحرس الثوري الإيراني، وهو السلوك الانتحاري الذي ارتد وبالاً مباشراً على الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية الحاضنة لقوت اليمنيين؛ حيث تسببت مغامرات العصابة في تكرار تعرض المنشآت الاقتصادية الكبرى مثل موانئ الحديدة ورأس عيسى، ومحطات توليد الكهرباء، ومخازن الوقود، ومصانع الإسمنت، والمطارات بما فيها مطار صنعاء الدولي للقصف الجوي الإسرائيلي العنيف، مما أدى إلى خروجها عن الخدمة كلياً، وتدمير خطوط الإنتاج والتبادل التجاري، ومضاعفة معاناة ملايين المدنيين الذين حُرموا من الخدمات الأساسية وتكبدوا قفزات جنونية في أسعار السلع المنقذة للحياة والوقود.
وفي المقابل، أثبتت التحولات السياسية الأخيرة والتفاهمات بين طهران وواشنطن أن الملف اليمني ليس سوى ورقة مقايضة رخيصة بيد إيران، حيث غابت عن تلك التفاهمات كلياً القضايا الجوهرية التي تمس حياة المواطن كصرف المرتبات ، أو اعادة فتح المطارات والموانئ لخدمة المدنيين، أو حل ملف الأسرى والمختطفين، مما يكشف زيف الادعاءات الحوثية حول "السيادة" ووضوح حقيقة استرخاص الجماعة لدماء اليمنيين ومقدراتهم لإرضاء الممول في طهران.
ويؤكد مراقبون للشأن اليمني أن العصابة الكهنوتية، ورغم ما ساقته من مبررات تعبوية وخلّفته من خسائر بشرية ومادية فادحة، باتت تجد نفسها اليوم معزولة خارج مسارات التسويات السياسية الفعلية كأداة وظيفية متورطة في تدمير بلادها، بينما يبقى المدنيون وحدهم من يدفعون الثمن الباهظ من قوتهم، وصحتهم، ومستقبل أجيالهم جراء عصابة الحوثي البلاد لخدمة لصالح النفوذ الإيراني ومشاريع التمدد الإقليمي على حساب الكرامة واستقرار الهوية الوطنية.