أخبار محلية

المغترب اليمني... الرقم الصعب في الدعم

المنتصف نت- المنتصف نت 22/06/2026 11:22 353 مشاهدة
المغترب اليمني... الرقم الصعب في الدعم

على امتداد أكثر من عقد من الحرب والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي، ظل السؤال حاضرًا: كيف استطاع المجتمع اليمني الاستمرار رغم تراجع مؤسسات الدولة، وتعطل عجلة الإنتاج، وانهيار الخدمات الأساسية؟
تتعدد الإجابات، إلا أن واحدة منها بقيت أقل حضورًا في الخطاب السياسي والإعلامي، رغم أنها تمثل أحد أهم مفاتيح فهم الاقتصاد اليمني خلال سنوات الأزمة، وهي الدور الاستثنائي الذي أداه المغترب اليمني بوصفه فاعلًا اقتصاديًا واجتماعيًا تجاوز في تأثيره كثيرًا من المؤسسات الرسمية وبرامج الدعم الدولية.
لقد ركزت الأدبيات المتعلقة بالأزمة اليمنية على المساعدات الإنسانية باعتبارها الأداة الرئيسة للتخفيف من آثار الحرب، وهو دور لا يمكن إنكاره، إذ أسهمت في الحد من الكارثة الإنسانية، ودعمت قطاعات حيوية مثل الغذاء والصحة والإغاثة الطارئة. غير أن هذه المساعدات، بطبيعتها، صُممت للاستجابة للأزمات الإنسانية أكثر من كونها مشروعًا لإعادة بناء الاقتصاد أو تعزيز التنمية المستدامة.
في المقابل، استمرت تحويلات ملايين اليمنيين العاملين في الخارج في التدفق بصورة منتظمة، لتشكل مصدرًا أكثر استقرارًا لدخل مئات الآلاف من الأسر، وتسهم في تمويل الغذاء والتعليم والعلاج والسكن، وفي الحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي داخل الأسواق المحلية.
ولا ينبغي النظر إلى المساعدات الإنسانية وتحويلات المغتربين باعتبارهما بديلين لبعضهما، بل إن لكل منهما وظيفة مختلفة داخل الاقتصاد اليمني. فالمساعدات تستهدف معالجة الاحتياجات الإنسانية على المستوى الوطني، بينما تؤدي التحويلات دورًا مباشرًا في حماية الأسرة اليمنية وتعزيز قدرتها على الصمود أمام الأزمات.
لكن هذه المفارقة تكشف حقيقة أكثر أهمية؛ فبينما يعتمد نجاح المساعدات على منظومات إدارية وتمويلية معقدة، تقوم تحويلات المغتربين على الثقة وروابط الأسرة والمسؤولية الاجتماعية، وهو ما يمنحها سرعة ومرونة وكفاءة أعلى في الوصول إلى المستفيدين.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، يمكن القول إن اليمن شهد خلال سنوات الحرب تحولًا تدريجيًا من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الدولة والموارد العامة إلى اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على المجتمع، وفي مقدمته المغترب اليمني، الذي أصبح أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، وداعمًا رئيسًا للاستهلاك المحلي، ومساهمًا في استقرار الأسواق، والحد من اتساع رقعة الفقر.
ومع ذلك، فإن هذا النموذج لا يخلو من المخاطر؛ فالاعتماد المتزايد على التحويلات الخارجية يخلق حالة من "الاستقرار الهش"، إذ تبقى قدرة الأسر اليمنية على الصمود مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والسياسات العمالية في دول الاستضافة، وبالتقلبات الإقليمية والدولية التي قد تؤثر في فرص العمل ومستويات الدخل والتحويلات.
كما أن الجزء الأكبر من هذه التحويلات يذهب إلى الإنفاق الاستهلاكي الضروري، في اقتصاد يعتمد بصورة واسعة على الواردات، وهو ما يحد من قدرتها على إحداث تحول تنموي طويل الأجل، رغم أهميتها البالغة في منع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، لم يعد المغترب اليمني مجرد عامل يبحث عن فرصة عمل خارج وطنه، بل أصبح شريكًا أساسيًا في حماية الاقتصاد الوطني، وحفظ تماسك الأسرة، وتوفير العملة الأجنبية، ودعم الاستقرار الاجتماعي. وهو دور يفرض على صانعي القرار إعادة النظر في العلاقة مع الجاليات اليمنية في الخارج، والانتقال من التعامل معها كمصدر للتحويلات فقط إلى اعتبارها رصيدًا استراتيجيًا يمتلك رأس مال ماليًا وبشريًا وخبرات يمكن أن تسهم في إعادة الإعمار والتنمية متى توافرت البيئة المؤسسية المناسبة.
إن المرحلة المقبلة تتطلب بناء سياسة وطنية متكاملة تجاه المغتربين، تقوم على حماية مصالحهم، وتسهيل استثماراتهم، وتعزيز ارتباطهم بالاقتصاد الوطني، وإشراكهم في رسم أولويات التنمية المستقبلية. فالتجارب الدولية تثبت أن الجاليات في الخارج ليست مجرد مصدر للنقد الأجنبي، بل يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية ومعرفية ودبلوماسية مؤثرة إذا أُحسن توظيفها.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن المغترب اليمني لم يكن مجرد داعم لأسرته، بل كان أحد أهم ركائز الدعم في اليمن.

محلل سياسي يمني جامعة تعز