لم تعد محافظة عمران اليوم ذلك الحصن المنيع الذي يتغنى به التاريخ، بل تحولت في قبضة ميليشيا الحوثي إلى مسلخ كبير للكرامة الإنسانية. خلف الشعارات الزائفة بـ"الهوية الإيمانية" و"السيادة"، تدار في هذه المحافظة أشرس حملات التنكيل الممنهج، حيث تُختطف الحرية في زنازين سرية، ويُصادر الرغيف من أفواه الجياع لتمويل جبهات الموت، وتُغتال أحلام الأجيال بتجهيل متعمد ومناهج طائفية مسمومة.
عمران اليوم ليست مجرد محافظة يمنية تئن، بل هي جرحٌ نازف في جسد الوطن، تنزف دماً وقمعاً على أيدي ميليشيا جعلت من البطش والإرهاب دستوراً لحكمها.
رفضت تدريس ملازمهم فاتهموني بالخيانة
أحمد صالح (معلم تربوي سابق تم إقصاؤه) يقول:
لقد طردونا من المدارس لأننا رفضنا أن نكون أبواقاً لأفكارهم الطائفية التي تفرق بين أبناء الشعب الواحد. كنت معلماً لأكثر من عشرين عاماً، وفجأة وجدت نفسي متهماً بالخيانة لأنني رفضت تدريس ملازمهم في الفصول. استبدلونا بمشرفين لا يحملون حتى مؤهلات ابتدائية، كل همهم هو تحويل عقول الطلاب إلى قنابل موقوتة. لقد دمروا العملية التعليمية، وأصبحت المدارس اليوم معسكرات تدريب بدلاً من كونها منابر للعلم. أشعر بغصة حين أرى أطفالنا يُساقون إلى الجبهات بدلاً من المقاعد الدراسية، وكأن الميليشيا تريد لهذا الجيل أن لا يعرف سوى لغة البارود والموت، بينما يتم إقصاء كل كادر وطني نزيه يحاول غرس قيم الحرية والتعايش السلمي في نفوس النشء الجديد. إنهم يقتلون فينا طموح التعليم ويستبدلونه بخطاب الكراهية الذي لا يورث إلا الدمار.
حولوا حياتنا إلى جحيم،
فاطمة يحيى (زوجة معتقل مغيب منذ سنتين) قالت:
لا أعرف أين يقبع زوجي، هل هو حي أم ميت؟ كل ما أعرفه أنه تجرأ يوماً وطالب بحقوق القبيلة في موارد منطقتنا التي تنهبها الميليشيا باسم 'المجهود الحربي'. اقتحموا منزلنا في منتصف الليل، روعوا الأطفال، وسحبوه إلى جهة غير معلومة. لا توجد محاكمة، ولا تهمة واضحة، فقط سطوة المشرف الذي يقرر مصير البشر بجرة قلم. أعيش يومي في رعب دائم، وأطفالي يسألونني كل يوم عن أبيهم الذي كان سندنا. لقد حولوا حياتنا إلى جحيم، حتى زيارة المعتقلين ممنوعة ومحرمة. نحن نعيش في سجن كبير، حيث يراقبون أنفاسنا ويحاسبوننا على كلماتنا، وكل من يعترض يُسحب فوراً إلى ظلمات سجونهم التي لا يخرج منها أحد إلا محطماً نفسياً أو جسدياً، وكأنهم يريدون كسر شوكة كل بيت في هذه المحافظة المنكوبة."
هذه ليست دولة، هذا نظام عصابات
منصور علي (تاجر محلي تعرض متجره للإغلاق والنهب) قال:
بدأ الأمر بطلبات 'تبرع' متكررة، ثم تحول الأمر إلى فرض إتاوات شهرية لا قبل لي بها. عندما حاولت الاحتجاج بأن تجارتي بالكاد تغطي التزامات أسرتي، اتهموني بالموالاة للعدوان والتهرب من واجبي المقدس. أغلقوا محلي، وصادروا البضاعة، وأجبروني على دفع مبالغ خيالية كغرامة لفتح المحل. هذه ليست دولة، هذا نظام عصابات يرتزق من قوت الناس. كل تاجر في عمران اليوم يعيش تحت سيف التهديد؛ إما الدفع والاستسلام لسياساتهم، أو السجن والإفلاس. لقد خنقوا الاقتصاد المحلي، وسيطروا على الأسواق، ومنعوا حركة البضائع إلا لصالح تجارهم ومواليهم، مما دفع بالكثير من أبناء المحافظة نحو الفقر المدقع والاحتياج، وتركوا التجار الشرفاء في حيرة من أمرهم بين الموت جوعاً أو القبول بالذل.
حولوا عمران من أرض العزة إلى أرض القهر،
الشيخ محسن علي (شيخ قبيلة سُلبت منه سلطته الاعتبارية):
لقبيلة في عمران كانت دائماً صمام الأمان والقوة التي تحمي الأرض والعرض، لكن الميليشيا عملت على تفكيك هذه البنية الاجتماعية القوية. زرعوا الفتنة بين القبائل، وأحلّوا مكان الشيوخ الحكماء 'مشرفين' لا يعرفون للأعراف القبلية احتراماً. أصبحوا يتدخلون في كل كبيرة وصغيرة، يحلون النزاعات لصالح من يدفع أكثر أو لمن يوالي توجههم، وأهدروا كرامة القبائل بفرض التجنيد الإجباري على شبابنا. لقد حولوا عمران من أرض العزة إلى أرض القهر، حيث يُجبر الشيخ على التوقيع على قرارات ظالمة تحت التهديد بالتصفية أو الاعتقال. هذا التدمير للنسيج القبلي هو أخطر ما قامت به الميليشيا، لأنها تدرك أن القبيلة هي آخر خط دفاع ضد مشروعهم التدميري، فهم يريدون استبدال الشموخ القبلي بالخنوع المطلق للمشرفين.
السجون السرية في عمران ليست مجرد غرف، بل هي مسالخ بشرية
خالد ناصر (طالب جامعي وناشط حقوقي شهد عمليات القمع)قال:
لا يمكنني نسيان ليلة اقتحام الحي الذي نسكنه. رأيتهم يختطفون شباباً لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا يتداولون منشورات تطالب بتحسين الخدمات. السجون السرية في عمران ليست مجرد غرف، بل هي مسالخ بشرية، سمعنا عن أساليب تعذيب تجعل الدم يتجمد في العروق. إنهم لا يكتفون بالسيطرة العسكرية، بل يسعون لغسل أدمغة المجتمع من خلال المراكز الصيفية والفعاليات الطائفية التي تفرض بالقوة. المستقبل في عمران ضبابي جداً، جيل بأكمله يُسحب إلى ساحات القتال، وبنية تحتية تُهدم، وحقوق تُغتصب. الصمت على ما يجري في عمران هو جريمة بحق كل يمني، فالميليشيا لا تستهدف منطقة فقط، بل تستهدف روح الإنسان وقيم الحرية، ونحن اليوم نعيش واقعاً مريراً لا مخرج منه إلا بتكاتف الجميع لرفض هذا البطش."
ختاماً: صرخة استغاثة
إن ما توثقه هذه الشهادات ليس إلا غيضاً من فيض، ومعاناة عمران اليوم تصرخ في وجه الضمير العالمي والإنساني. إن بقاء هذه المحافظة تحت بطش ميليشيا الحوثي يعني استمرار استنزاف طاقات اليمن وقتل مستقبله. إننا نوجه نداءً عاجلاً لكل المنظمات الحقوقية، ولكل حر أبيّ، أن يتحركوا لإنقاذ عمران ومديرياتها من مخالب هذا الإرهاب الممنهج. لا يمكن لعمران أن تظل حبيسة سجون التجهيل والقتل؛ فالحرية حق، والمقاومة ضد الظلم واجب، والعمل على كشف جرائم هذه الميليشيا هو خطوة حتمية نحو استعادة كرامة إنساننا اليمني الذي يستحق الحياة والعدالة، لا سياط الجلادين ومشاريع الموت التي لا تبقي ولا تذر.