محرم الحاج- وحدة الرصد :
عاشت مدينة تعز، عصر الجمعة، لحظات استثنائية اختلطت فيها دموع المعاناة بدموع الفرح؛ إذ شهدت المدينة هطول أمطار متوسطة وُصفت بأنها "غيث من السماء"، جاء لينعش قلوب مئات الآلاف من السكان، ويكسر مؤقتاً حدة أزمة مياه غير مسبوقة تعصف بالمدينة منذ أكثر من عام.
فرحة عارمة.. واغتنام لـ "هدية السماء"
غمرت مشاهد البهجة شوارع تعز، حيث خرج المواطنون—أطفالاً وكباراً—ليستقبلوا زخات المطر بصدور رحبة. واغتنم الأهالي الفرصة فوراً للاغتسال وتعبئة ما تيسر لهم من الأواني المنزلية والخزانات، في ظل الانقطاع التام لمياه الشرب الارتوازية، فتحول المطر إلى بديل مجاني عاجل أنقذهم من طوابير الانتظار الطويلة والمهينة.
جذور الكارثة: حصار ممنهج وعجز إداري :
تواجه تعز منذ عام كامل اشتداداً كارثياً لأزمة المياه، دفعت النساء والأطفال للاصطفاف اليومي ولساعات ممتدة بحثاً عن "جالون ماء".
وتعود جذور هذه المعاناة إلى أسباب مركبة؛ أولها السياسة العقابية والتعنت الحوثي المستمر منذ حصار عام 2015، حيث تمنع المليشيا بشكل متعمد تدفق المياه من الحقول الرئيسية الواقعة شمال شرق المدينة والخاضعة لسيطرتها.
وثانيها تفاقم الأزمة مؤخراً بفعل الاختلالات الفنية والفساد الإداري داخل المؤسسات المحلية المعنية، مما عطل تشغيل الآبار المتاحة، وفتح الباب أمام المتنفذين والمتاجرين بالأزمة للتحكم بمصادر المياه وتجفيف جيوب المواطنين.
جنون الأسعار: لغة الأرقام الصادمة
انعكست هذه الأزمة مباشرة وبشكل مأساوي على كاهل المواطن البسيط؛ إذ قفز سعر صهريج المياه سعة (5,000 لتر) من 24,000 ريال يمني ليقترب من حاجز الـ 80,000 ريال (ما يعادل نحو 28 دولاراً أمريكياً). وفي السياق ذاته، تضاعف سعر جالون المياه المحلاة سعة (20 لتراً) بنسبة تفوق 150%، ليرتفع من 200 ريال يمني إلى أكثر من 500 ريال، مما شكل عبئاً كارثياً يفوق القدرة الشرائية لآلاف الأسر الفقرية والمعدمة.
تحركات شعبية ودعوات لحلول استراتيجية
ومع استمرار تعنت مليشيا الحوثي وتجاهلها للمساعي الأممية لإعادة ضخ المياه، تصاعدت الأصوات الشعبية والدعوات من قِبل ناشطين وحقوقيين لإنقاذ المدينة عبر مسارين:
المسار الإنساني والعسكري: اعتبار تحرير حقول المياه شمال شرق المدينة معركة إنسانية وسيادية لا تحتمل التأجيل أو المماطلة السياسية.
المسار التنموي والاستراتيجي: مطالبة المجلس القيادي الرئاسي بالتدخل العاجل والتنسيق مع الشركاء الدوليين لتنفيذ مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، إضافة إلى سرعة استكمال مشروع مياه "طالوق" الذي أعلن عنه نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، في عام 2023، باعتباره طوق النجاة الأخير لإنقاذ تعز من العطش القاتل.
وفي انتظار حلول جذرية تنهي هذه المأساة، جاءت أمطار اليوم لتؤكد لتعز وأهلها الصامدين أن رحمات السماء أوسع من ضيق الأرض وحصار البشر..