لكل من يراهن على استعادة "الدولة الجنوبية" باعتبارها الحل الوحيد لأزماتنا المعيشية والخدمية والإنسانية، أقول إننا أحوج ما نكون إلى مراجعة شاملة، تشبه الصدمة الكهربائية التي تعيد النبض لقلب كاد يتوقف، صدمة موجعة في لحظتها، لكنها السبيل الوحيد للتعافي .
يجب أن نمتلك الشجاعة لنقولَ كلمةً صادمة، نُدين بها أنفسنا قبل غيرنا، كي ننهض من تحت ركام الشعارات، ونواجه الواقع بأدواته لا بأحلام اليقظة . نعم ، آن الأوان أن نكفَّ عن ترديد الهتافات التي تُخدِّرنا وتبعدنا عن رؤية الحقيقة المُرَّة .
الحقيقة أن أغلب القادة الجنوبيين ـ ولا أتحدث عن استثناءات ـ أعجزُ مما يتصوره عامةُ الجنوبيين، فلا يوجد بينهم من يمتلك شجاعة مواجهة أتباعه بنصف الحقيقة، فهم خائفون على مواقعهم أكثر من خوفهم على حاضر الناس ومستقبلهم .
ثقافة الاعتراف بالخطأ غائبة عن قاموسنا السياسي عمومًا، بينما في سائر بلاد العالم المتحضر يُفضي الإخفاق السياسي إلى استقالة القائد واعتذاره ، مدركًا أن بوصلته قد ضلَّت الطريق .
أما قادتنا، فلا يكتفون بالبقاء بعد كل إخفاق، إذ يتناسخون ويُغيِّرون أسماء كياناتهم كجوارب القدمين ، وتبقى الوجوه ذاتها والخطاب هو نفسه، وكأن الزمن توقف عند لحظة ثائرة لم تتجاوزها إلى فضاء الدولة .
كان حريًّا بهم التوقف عن استهلاك شعار "استعادة الدولة"، والتعاطي مع الواقع الجديد بفطنة وموضوعية . كما كان يتوجب عليهم مدُّ أيديهم إلى الرئاسة والحكومة الانتقالية ، ليكونوا شركاء حقيقيين في صناعة الغد ، ومن خلال لغة الحوار ، يمكنهم انتزاع حقوق الجنوب بآلية سياسية ناضجة لا بخطاب شعبوي .
لكنهم عارضوا الثورة، وناهضوا الحوار، وتمردوا، وما فتئوا على ذات النهج منذ ما بعد حرب 1994 دون مراجعة لكل ما حدث ، فالواقع اليوم يؤكد أن لا قيمة للأصوات الساخطة إذا غابت الدولة أو كانت مهدَّدة وجوديًّا .
حدث الانقلاب واندلعت الحرب، وبقوا في الضفة الأخرى كأن الأمر لا يعنيهم، فلم يتغيروا، وإنما تحول بعضهم إلى وكلاء لمن يمولهم ، يساومون على معاناة الناس، تاركين قضية الجنوب نهبًا للفوضى والميليشيات .
والأدهى أنهم تحولوا من ضحايا للتهميش إلى جلادين محليين، يمارسون ما يُسمَّى بـ"التقمص العكسي"، إذ تبنَّوا منطق الجلاد ، واستبدلوا المركزية التي حاربوها بمركزيات مناطقية ضيقة، وفرضوا وصايتهم على مكونات جنوبية لطالما شاركتهم عناء الكفاح والاقصاء .
والنتيجة ؛ لا هم بنوا دولةً، ولا سمحوا لغيرهم ببناء هذه الدولة، حالة من العجز المركب، فشل في استعادة دولة الجنوب مع رفض مستميت لاستعادة دولة اليمن، ليس تمسُّكًا بالمبدأ، بل طمعًا في السلطة ،ورغبة في الاستئثار بمغانمها ومكاسبها .
الخلاصة المؤلمة أنه لا يوجد قائد محترم يدعو إلى مراجعة شاملة، أو إلى التخلي عن فكرة التجزئة وتمزيق المجتمع والجغرافيا، فحتى الصوت الذي جاهر بضرورة التماهي مع قيم المرحلة الانتقالية، سرعان ما تراجع ونفى .
نعم، لا بد من مكاشفة الجماهير بالحقيقة، لا بد من قائد يبرز الآن كي يعتذر، وكي يعترف بأنه ورفاقه أخطأوا الطريق .
فأزمات اليمن تُعالَج بتوافقات وطنية لا بالتقسيم، ومستقبل الجنوب سيكون أفضل في ظل دولة اتحادية جامعة عادلة، لا في ظل كانتونات متناحرة تديرها الميليشيات .
سيعاندون ويستمرون ويستميتون في ترديد اعتقاداتهم القديمة، فمراجعة الذات ثقافة غائبة في محيط أسير للرأي الواحد والقائد الواحد .
فلن ينقذ الجنوب إلا مراجعة الصدمة، تلك اللحظة الجريئة التي نعلن فيها أن حلم الدولة نبيل، ذلك الحلم الذي لا يُستولد من رحم القهر والإذلال للآخرين ، ولا بالاتكاء على عكاز مال الخارج ، وإنما يتجسَّد بقوة الحق ومنطق صنع المستقبل بوعي وشراكة حقيقية .
الدولة الاتحادية ليست قيدًا على الجنوب، بقدر ما هي فرصة ثمينة لكسر العزلة وإعادة بناء مؤسساته، وهي غاية وطنية عادلة، والطريق الأكثر صلابة لئلا يظل الجنوب ضحية للمشاريع الضيقة القاتلة لروحه وتاريخه وثورته وتضحياته الجسام لأجل دولة يمنية يسود فيها الحق والعدل والمساواة .
محمد علي محسن