صنعاء | تقرير اقتصادي استقصائي
تتجه المنظومة المصرفية الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي في صنعاء نحو نقطة الصفر، وسط مؤشرات متسارعة تؤكد دخول البنك المركزي المختطف مرحلة حرجة من جفاف السيولة النقدية. وتأتي هذه التطورات لتهدد بعجز المليشيا الكامل عن الوفاء بأدنى التزاماتها المالية تجاه مئات الآلاف من موظفي القطاع العام خلال الفترة المقبلة، مما ينذر بانفجار موجة جديدة من السخط الشعبي والمجاعة المعيشية.
وأفادت مصادر مصرفية مطلعة في العاصمة المحتلة بأن الاختناق المالي الحالي قد يحول دون قدرة الجماعة على تمرير الفتات المالي الذي تقذفه للموظفين كل بضعة أشهر تحت مسمى "نصف راتب"، مما يضع "حكومة الأمر الواقع" أمام مأزق تعرية مكشوف لسياساتها النقدية الاستنزافية.
ثقب الموارد الأسود: أين تذهب مليارات الجبايات؟
أعادت أزمة شح السيولة الحالية إلى الواجهة التساؤلات العميقة حول مصير التريليونات التي تجبيها الجماعة قسراً من جيوب المواطنين والتجار والقطاع الخاص. ورغم التدفقات النقدية الهائلة المستمرة، يعاني المجتمع من شلل مالي، وهو ما يرجعه خبراء الاقتصاد إلى آليتين رئيسيتين:
• الاقتصاد الموازي وعسكرة الأموال: تحويل الجزء الأكبر من السيولة النقدية من الدورة المصرفية الرسمية إلى خزائن مغلقة تتبع القيادات العليا للمليشيا، لتمويل الأنشطة العسكرية، وشراء الولاءات، والإنفاق على الفعاليات الطائفية والأيديولوجية.
• تجريف القطاع المصرفي: استنزاف القدرات المالية للبنوك التجارية والإسلامية في صنعاء عبر سلسلة من القوانين والقرارات القمعية (من بينها قانون منع المعاملات الربوية)، مما عطل حركة الودائع ودفع برؤوس الأموال إلى الفرار أو الاختباء.
الهيكل المالي المأزوم في مناطق سيطرة الحوثيين
سياسة الجباية بلا خدمات: الانعكاسات على الشارع
يرى مراقبون ومحللون اقتصاديون أن الأزمة الراهنة هي النتيجة الحتمية لنمط "اقتصاد الفيد" الذي تتبعه المليشيا منذ سنوات؛ حيث تركزت جهودها على تعظيم الإيرادات العامة والخاصة عبر فرض الرسوم والجمارك المزدوجة، والزكاة، والإتاوات المتجددة، دون تقديم أي حد أدنى من الخدمات أو إحداث دورة تنموية تعيد ضخ الأموال في السوق.
سحق الطبقة الوسطى: إن أي تعثر جديد في صرف المستحقات المالية للموظفين – على ضآلتها – سيمثل رصاصة الرحمة على ما تبقى من رمق معيشي للطبقة الوسطى في صنعاء، وسيدفع بآلاف الأسر الجديدة إلى منزلق العجز الغذائي الحاد، خصوصاً مع افتقار الأسواق لتدفق السيولة النقدية الكافية لتحريك عجلة البيع والشراء اليومية.
وتضع هذه المعطيات مليشيا الحوثي أمام خيارات ضيقة ومكلفة؛ فإما الاعتراف المباشر بالإفلاس المصرفي، أو الارتماء نحو مزيد من الجبايات العنيفة ضد القطاع الخاص المحتضر، وهو ما قد يعجل بانهيار اقتصادي شامل يفقد فيه البنك المركزي بصنعاء ما تبقى من سيطرته الصورية على المشهد المالي.