صنعاء | تقرير استقصائي خاص
لم يعد قطاع التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي مجرد حقل لتطييف المناهج وتدمير الهوية الوطنية، بل تحول بفضل سياسات الجماعة العمدية إلى واحد من أبرز مصادر "الجباية غير المباشرة" والاستثمار المالي الخاص. وفي صدارة هذه الفضائح الاستثمارية، تكشفت آلية جباية خفية وممنهجة تفرضها قيادات حوثية نافذة في وزارة التربية والتعليم بصنعاء، تتربح من وراء طباعة وبيع الكتاب المدرسي بما يتجاوز 1.3 مليار ريال سنوياً من قطاع التعليم الأهلي في نطاق جغرافي ضيق، وسط حرمان آلاف المعلمين من رواتبهم للعام العاشر على التوالي.
هندسة الجباية: إجبار المدارس على "مبيعات وهمية"
وفقاً لمعطيات كشف عنها الناشط والخبير الاقتصادي علي أحمد التويتي، فإن وزارة التربية والتعليم التابعة للحوثيين تتبع "أسلوباً استثمارياً قسرياً" لإجبار المدارس الأهلية على شراء المناهج الدراسية سنوياً بعدد الطلاب المسجلين في كشوفاتها بشكل دقيق، معلنةً حظراً تاماً على تدوير الكتب أو استخدام الفائض والجديد المتبقي من الأعوام السابقة.
هذه السياسة الاحتكارية وضعت إدارات المدارس الأهلية أمام خيارين؛ إما الإغلاق أو تحويل الكلفة والعبء المالي مباشرة على كاهل أولياء الأمور، الذين فروا أصلاً بأبنائهم من انهيار وضياع المدارس الحكومية ليتلقفهم جشع الجبايات الحوثية.
لغة الأرقام: فوارق سعرية خيالية تمول حسابات الجماعة
توضح البيانات الإحصائية الفوارق الصادمة بين السعر الرسمي المفترض للكتاب وبين السعر الاستثماري الإجباري الذي تفرضه المليشيا في المدارس الأهلية:
• الحصيلة في العاصمة ومحافظة صنعاء: بوجود ما يقارب 200 ألف طالب وطالبة في قطاع التعليم الأهلي بأمانة العاصمة ومحافظة صنعاء فقط، فإن فارق السعر يضخ إلى خزائن المشرفين القائمين على قطاع التعليم ما يقارب ملياراً و328 مليون ريال سنوياً، دون احتساب الجبايات المماثلة في بقية المحافظات والمناطق المحتلة حوثياً.
"إتلاف المناهج" لضمان استمرار الأرباح
شهادة من الميدان: نقل الخبير الاقتصادي عن مدير إحدى المدارس الأهلية في صنعاء قوله إن الوزارة ترفض بشكل قاطع اعتماد أي كميات مخزنة أو كتب نظيفة لم تستخدم من العام السابق، مما يؤدي إلى تراكم أطنان من الكتب الصالحة للاستخدام وتحويلها إلى تالف، في رغبة واضحة لإجبار المدرسة على الشراء الجديد لضمان استمرار تدفق الأرباح المليونية إلى حسابات قيادات المليشيا.
سحق الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل
لا تتوقف شهية المليشيا عند جني أرباح الكتب؛ فالوزارة تفرض إتاوات ورسوماً سنوية تحت مسميات مختلفة تتراوح بين 25 ألفاً و30 ألف ريال عن كل طالب مسجل في المدارس الأهلية، مما ضاعف الرسوم المدرسية ككل.
وتأتي هذه الأعباء الاستنزافية لتستهدف شريحة موظفي وعمال القطاع الخاص ومحدودي الدخل، الذين لا تتجاوز متوسط رواتبهم الشهرية بين 150 ألفاً و200 ألف ريال، مما يضطر الكثير من الآباء إلى الغرق في مستنقع الديون والديون المتراكمة، أو اتخاذ القرار المؤلم بإخراج أبنائهم من المدارس لعدم القدرة على الدفع.
تحويل الخدمات لشركات استثمارية خاصة
يرى مراقبون للشأن اليمني أن هذه الممارسات تمثل إعلاناً حوثياً رسمياً بإلغاء "مجانية التعليم" وتحويل الخدمات العامة الحيوية إلى "شركات استثمارية خاصة" تدر الأموال الطائلة لتمويل الأنشطة العسكرية والتعبوية للجماعة. وفي ظل استمرار انهيار القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر الحاد، فإن هذه "القرصنة التعليمية" باتت تجعل التعليم حكراً على الأثرياء والمقربين من المليشيا، مهددة بدفع مئات الآلاف من الأطفال اليمنيين إلى رصيف الأمية والجهل القسري.