حضرموت | تقرير استقصائي خاص
لم تعد عمليات ضبط شحنات الوقود المهرب في صحراء ووادي حضرموت مجرد ضبطيات أمنية روتينية ضد مهربين محليين، بل تحولت إلى خيط رفيع يكشف الستار عن واحدة من أكبر شبكات نهب الثروة النفطية المنظمة في اليمن. شبكة تديرها أطراف وقيادات نافذة تمتلك المال والسلاح والغطاء السياسي، لقرصنة المشتقات والنفط الخام وتحويلهما إلى سوق سوداء تدر مليارات الريالات، على حساب خزينة الدولة المنهكة وقوت المواطن المطحون.
حرب الساعتين في غويربان: عندما يحمي السلاح التهريب
أحدث فصول هذا العبث تجسد في المواجهات المسلحة العنيفة التي شهدتها صحراء غويربان (الرابطة بين مأرب والعبر)، حيث أحبطت قوات الفرقة الأولى طوارئ محاولة تهريب ثلاث مقطورات ضخمة من المشتقات النفطية.
ولم تكن الشحنة تسير بمتسللين؛ بل كانت تحرسها أطقم عسكرية ومجموعات مسلحة خاضت مواجهات شرسة ضد القوات الأمنية استمرت لأكثر من ساعتين لمحاولة فرض مرور الشحنة بالقوة. وأسفرت المعركة عن:
• إصابة ثلاثة من أفراد الأمن بجروح متفاوتة.
• إعطاب عدد من المركبات والقبض على طقم مسلح كان يرافق القواطر.
• التحفظ على كميات الوقود المهربة وملاحقة بقية العصابة الفارة في مجاهل الصحراء.
من المنبع إلى السوق السوداء: السؤال المسكوت عنه؟
رغم الإشادة الشعبية الواسعة بنجاحات الضبط الأمني وتوجيه الكميات المصادرة للمحطات الرسمية لبيعها بأسعار مناسبة، إلا أن بيان القوات الأمنية أثار تساؤلات استراتيجية حارقة في الشارع الحضرمي: من أين تخرج هذه الكميات الضخمة أصلاً إذا كانت حقول الإنتاج تحت حراسة مشددة؟
إن حركة قواطر عملاقة عبر مئات الكيلومترات وسط حماية عسكرية مستعدة لمواجهة الدولة، تؤكد أننا لسنا أمام "تهريب فردي"، بل أمام منظومة متكاملة تبدأ من مصادر الإنتاج والتكرير (المنبع)، وتمر بنقاط تفتيش رخوة وغطاء رسمي، وصولاً إلى أسواق الظل لتمويل مراكز قوى نافذة.
مصافي "الخشعة" البدائية: هيكلة الاقتصاد الموازي
تُعيد هذه التطورات إلى الأذهان الفضيحة المدية التي تكشفت في ديسمبر الماضي، عندما ضبطت قوات جنوبية أربع محطات تكرير نفطية غير قانونية في منطقة الخشعة بصحراء حضرموت. تلك المنشآت كانت تعمل خارج إطار القانون وبعيداً عن رقابة وزارة النفط، حيث كانت تُغَذى بآلاف البراميل من النفط الخام المنهوب يومياً من حقول حضرموت ومأرب، لتكريره بطرق بدائية وتوزيعه كوقود مغشوش في الأسواق السوداء.
ويرى خبراء اقتصاد أن ما يحدث في حضرموت هو "اقتصاد ظل" متكامل الأركان؛ حيث جرى خصخصة الثروة الوطنية لصالح حسابات بنكية خاصة لمتنفذين، مما حرم الحكومة من موارد مالية سيادية هائلة كانت كفيلة بإنقاذ العملة المحلية المنهارة.
مطالب شعبية: تجاوز "السائقين" لتفكيك الرؤوس الكبيرة
أمام هذا التواطؤ والصمت المريب من بعض الجهات الرسمية، تصاعدت نداءات المكونات الحقوقية والناشطين في حضرموت بضرورة انتقال السلطات من مرحلة "مطاردة الشاحنات والسائقين" إلى مرحلة "قطع دابر الشبكة من رأسها".
إن المطالب اليوم تتركز حول تشكيل لجنة تحقيق عليا ومستقلة، تكشف للرأي العام الجهات والشخصيات التي تصرف هذه الكميات من الحقول وتمنحها وثائق المرور، ومحاسبة المتورطين كـ"مجرمي حرب اقتصادية" مهما كانت رتبهم ومواقعهم في هرم السلطة، بعد أن تحولت ثروة حضرموت من رافد للتنمية إلى وقود يغذي الفوضى المسلحة والإثراء غير المشروع.