متابعات استقصائية | خاص
أعادت واقعة الكشف المفاجئ عن دفعة جديدة من وكلاء محافظة حضرموت المسكوت عنهم رسمياً، تسليط الضوء على واحدة من أعمق ثغرات الأداء الإداري والسياسي لمجلس القيادة الرئاسي اليمني. وتتمثل هذه المعضلة في استراتيجية "القرارات غير المعلنة" أو ما بات يُعرف بـ "التمرير تحت الطاولة"، كآلية لإعادة تدوير وتمكين قوى سياسية وعسكرية معينة، بعيداً عن الرقابة الشعبية أو التوافقات السياسية التي بُني عليها المجلس.
التناسل الإداري: امتداد لـ"التركة الهادوية"
لم تكن هذه الظاهرة وليدة اللحظة، بل مثلت السمة الأبرز لفترة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، حين تسببت تلك القرارات في إغراق هياكل الدولة والمؤسسات بمئات التعيينات العبثية التي أرهقت الميزانية العامة، وكانت إحدى أدوات تغلغل حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) في مفاصل القرار.
ومع طي صفحة هادي وتأسيس مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، استبشر الشارع اليمني بعهد الشفافية؛ إلا أن رئيس المجلس الدكتور رشاد العليمي سرعان ما عاد للمضي على خطى سلفه، متجاوزاً قواعد الإشهار القانوني عبر وسائل الإعلام الرسمية، وتحديداً وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، مما تسبب في إشعال الصراعات البينية داخل المجلس الرئاسي، لا سيما مع اعتراض المجلس الانتقالي الجنوبي.
زلزال حضرموت والقبضة المطلقة
يرى مراقبون أن الصدام العسكري والسياسي الذي شهدته محافظة حضرموت أواخر العام الماضي، والذي انتهى بهزيمة سياسية وعسكرية للمجلس الانتقالي في المحافظة الحيوية، قد حرر قرارات العليمي من كوابح المعارضة الداخلية.
وتجلى هذا التحول بشكل فاضح في الاجتماع الذي ترأسه (الخميس الماضي) عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، في مكتبه بالمكلا، حيث ظهر بمعيته 7 وكلاء لمحافظة حضرموت جرى تعيينهم مؤخراً دفعة واحدة.
مفارقة وثائقية: كشف إعلام السلطة المحلية بحضرموت أن هؤلاء الوكلاء عُينوا بموجب القرار الجمهوري رقم (39) لسنة 2026، وهو قرار حُجب تماماً عن المنصات الإعلامية الرسمية للدولة.
لغة الأرقام: تفكيك شيفرة القرارات المحجوبة (النصف الأول من 2026)
بإجراء مسح أركيولوجي وتحليلي لأرشيف وكالة الأنباء الرسمية "سبأ" ومقارنة أرقام القرارات الصادرة بالتسلسل العددي القانوني، تتضح خارطة "التعيينات السرية" الموزعة بين الشقين المدني والعسكري منذ مطلع العام الجاري وحتى أواخر يونيو 2026:
1. القرارات الجمهورية المدنية:
• آخر قرار مُعلن: حمل الرقم (44) لسنة 2026 والخاص بتشكيل اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات.
• إجمالي المنشور فعلياً: 12 قراراً فقط.
• الفجوة السرية: 32 قراراً مدنياً طواها الكتمان.
• شواهد العبث: في 4 أبريل الماضي، نشرت الوكالة خبر أداء "جميلة علي رجاء" لليمين الدستورية كسفيرة لدى واشنطن، دون أن يسبق ذلك أو يلحقه نشر قرار تعيينها الرسمي ومسوغاته القانونية.
2. القرارات العسكرية والقبلية (الشرخ الأكبر):
• آخر قرار عسكري مُعلن: حمل الرقم (125) لسنة 2026 والخاص بتعيين مستشار لرئيس مجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.
• القرار المعلن الذي سبقه مباشرة: نُشر في 30 أبريل الماضي وحمل الرقم (91) بتعيين قيادة للمنطقة العسكرية الرابعة.
• الفجوة السرية: 34 قراراً عسكرياً سرياً بين القرارين، وبالمجمل لم يُعلن سوى 11 قراراً عسكرياً من أصل 125، ما يعني إصدار 114 تعييناً عسكرياً سرياً خلال 6 أشهر فقط.
3. قرارات "رئيس مجلس القيادة" (الالتفاف الإداري):
استحدث العليمي نمطاً جديداً تحت لافتة "قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي" (بصيغة التكليف بدلاً من التعيين)، استهله بالقرار رقم (1) بتكليف المحافظ سالم الخنبشي بقيادة قوات "درع الوطن" بحضرموت، ليتحول التكليف سريعاً للقرار رقم (2).
• التسلسل الواصل: بلغ الرقم (18).
• المنشور رسمياً: 8 قرارات فقط.
• الفجوة السرية: 10 قرارات محجوبة.
جدول إحصائي بـ "ثقب القرارات الأسود" في الشرعية (يناير - يونيو 2026)
الأبعاد السياسية والاقتصادية: التمكين على حساب الإفلاس
تثير هذه المعطيات الرقمية الصادمة تساؤلات حتمية حول المستفيد الحقيقي من هندسة هذه التعيينات بعيداً عن الضوء:
• التمكين السياسي البديل: تعزز هذه القرارات الشكوك العميقة بأن رئيس المجلس الرئاسي، وبالتنسيق مع الجناح المقرب من جماعة الإخوان المسلمين، يستغل تراجع نفوذ المجلس الانتقالي في بعض المحافظات الشرقية (مثل حضرموت) لتمكين ولاءات حزبية موازية وإعادة إحكام القبضة على مفاصل الدولة الأمنية والإدارية.
• المفارقة الاقتصادية الصارخة: يأتي هذا السيل الجارف من التعيينات المفرطة (التي تترتب عليها ميزانيات ضخمة، ورواتب بالعملة الصعبة، ونفقات تشغيلية) في وقت تتباكى فيه الحكومة الشرعية ليل نهار من أزمة مالية خانقة وشلل اقتصادي تام جراء توقف تصدير النفط الخام عقب الهجمات الحوثية على الموانئ.
الخلاصة
بينما تفرض الحكومة على المواطنين جرعات سعرية وتتحدث عن "خطة إصلاحات وتقشف" لإنقاذ الريان اليمني المنهار، فإن مطبخ القرارات في قصر معاشيق ينسف بـ "156 قراراً سرياً" كل جهود الإصلاح، ليتحول "مجلس القيادة" من أداة لإدارة معركة استعادة الدولة إلى مظلة لإدارة المحاصصة السرية وإرضاء مراكز النفوذ على حساب أنقاض شعب مطحون.