أخبار محلية

المجالس التنسيقية في المحافظات الجنوبية.. هل تنهي زمن الهيمنة السياسية وتؤسس لمرحلة التوازن؟

عدن الغد- محليات 03/07/2026 12:04 334 مشاهدة
المجالس التنسيقية في المحافظات الجنوبية.. هل تنهي زمن الهيمنة السياسية وتؤسس لمرحلة التوازن؟

ما يحدث اليوم في عدد من المحافظات الجنوبية ليس مجرد تأسيس لمجالس تنسيقية أو كيانات سياسية جديدة، بل يمثل تحولاً عميقاً في طبيعة العمل السياسي في الجنوب. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدأت المحافظات تتجه إلى بناء أطر سياسية محلية تنطلق من داخلها، وتعبر عن إرادة أبنائها، بدلاً من انتظار أن يتحدث الآخرون باسمها.

لقد أثبتت التجربة السياسية خلال العقود الماضية أن الأحزاب اليمنية التقليدية، بمختلف توجهاتها، لم تستطع بناء نموذج سياسي عادل يحقق التوازن بين المحافظات. فبدلاً من أن تكون الأحزاب مؤسسات وطنية تستوعب الجميع، تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات تعكس نفوذ مراكز القوى، وأصبحت بعض المحافظات حاضرة بقوة في القرار السياسي، بينما بقيت محافظات أخرى على هامش المشهد، رغم امتلاكها ثقلاً سكانياً أو اقتصادياً أو جغرافياً لا يقل أهمية.

كما أن التجارب التي أعقبت عام 2015 أظهرت أن المشكلة لم تكن في الأحزاب وحدها، بل في فكرة احتكار التمثيل السياسي نفسها. فقد برزت قوى سياسية كبيرة، لكنها لم تستطع إقناع جميع المحافظات بأنها تمثلها بالقدر نفسه، لأن لكل محافظة أولوياتها، وقضاياها، وحساسياتها الاجتماعية، وخصوصيتها السياسية، وهي أمور لا يمكن اختزالها داخل مركز قرار واحد.

ومن هنا تبدو المجالس التنسيقية الجديدة وكأنها استجابة طبيعية لفراغ سياسي ظل يتسع عاماً بعد آخر. فهذا الفراغ لم يكن يعني غياب الأحزاب أو المكونات، وإنما غياب الكيان المحلي الذي يتحدث باسم المحافظة نفسها، ويدافع عن مصالحها، ويشارك في صياغة القرار من موقع الشريك لا التابع.

الفكرة التي تقوم عليها هذه المجالس تبدو مختلفة عن التجارب السابقة؛ فهي لا تنطلق من منطق السيطرة، وإنما من منطق التمثيل. فبدلاً من أن يكون هناك مركز سياسي واحد يتحدث باسم الجميع، يصبح لكل محافظة مجلسها السياسي الذي يعبر عنها، ويطرح رؤيتها، ويحمل مطالبها، ويتفاوض باسمها.

وهنا تكمن أهمية هذه التجربة؛ لأنها تنقل الجنوب من مرحلة الهيمنة إلى مرحلة التوازن.

فحين تمتلك حضرموت مجلسها، وتمتلك أبين مجلسها، وتمتلك عدن مجلسها، ثم تمتلك شبوة ولحج والمهرة والضالع وسقطرى مجالسها، فإن أي حوار سياسي مستقبلي لن يقوم على قاعدة الغالب والمغلوب، وإنما على قاعدة الشركاء المتساوين.

وبذلك تنتفي تدريجياً حالة سيطرة حزب واحد أو مكون واحد أو منطقة واحدة على القرار السياسي، لأن كل محافظة ستكون ممثلة بذات المستوى، وستدخل أي حوار وهي تمتلك شرعية محلية مستمدة من مجتمعها، لا من تفويض صادر من خارجها.

إن أحد أكبر الإخفاقات التي عرفها العمل السياسي اليمني خلال العقود الماضية كان اختزال المحافظات في أشخاص، أو في أحزاب، أو في مراكز نفوذ. ونتيجة لذلك، كانت قرارات مصيرية تخص محافظات كاملة تُتخذ من خارجها، بينما يغيب صوت المجتمع المحلي نفسه.

أما المجالس التنسيقية فإنها تقدم نموذجاً مختلفاً، يقوم على أن المحافظة هي صاحبة الحق الأول في التعبير عن مصالحها، وأن أبناءها هم الأقدر على تحديد أولوياتها السياسية والاقتصادية والتنموية.

وهذا لا يعني بالضرورة إضعاف الكيانات الوطنية الكبرى، وإنما إعادة توزيع الأدوار بصورة أكثر عدلاً. فالأحزاب تبقى موجودة، والمكونات السياسية تبقى حاضرة، لكن القرار المحلي يصبح أكثر ارتباطاً بإرادة أبناء المحافظة أنفسهم.

كما أن وجود مجلس سياسي لكل محافظة سيخلق نوعاً من المنافسة الإيجابية بين المحافظات نفسها. فبدلاً من التنافس على النفوذ داخل مركز سياسي واحد، ستتجه كل محافظة إلى بناء مؤسساتها، وتطوير خطابها، وتقديم رؤيتها، وتحقيق الإنجازات التي تمنحها حضوراً أكبر في أي حوار مستقبلي.

وهذا النموذج، إذا نجح، قد يضع حداً لحالة الاستقطاب التي عاشها الجنوب لسنوات، لأنه سينقل الصراع من التنافس على احتكار التمثيل إلى التنافس في تقديم مشاريع تنموية وسياسية أكثر إقناعاً.

ومن الناحية العملية، فإن وجود مجلس في كل محافظة سيجعل أي تسوية سياسية أكثر واقعية. فبدلاً من جلوس طرف أو طرفين للحديث باسم ملايين المواطنين، سيكون هناك تمثيل مباشر للمحافظات نفسها، بحيث تعبر كل محافظة عن رؤيتها ومصالحها وأولوياتها، وهو ما يمنح أي اتفاق مستقبلي قدراً أكبر من الشرعية والقبول الشعبي.

ومن المهم أيضاً أن هذه المجالس، إذا حافظت على استقلاليتها، ستمنع عودة الهيمنة المناطقية التي شكلت إحدى أبرز أزمات الحياة السياسية في اليمن. فالتوازن الحقيقي لا يتحقق عندما تنتقل الهيمنة من طرف إلى آخر، وإنما عندما يصبح الجميع شركاء في صناعة القرار.

لقد أثبتت التجارب السياسية في اليمن أن أي مشروع يقوم على احتكار التمثيل أو إقصاء الآخرين لا يلبث أن يدخل في أزمات متكررة، بينما تزداد فرص الاستقرار كلما اتسعت دائرة المشاركة، وأصبحت المحافظات شريكاً حقيقياً في القرار، لا مجرد متلقية له.

ولهذا، فإن المجالس التنسيقية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ظاهرة مؤقتة أو ردة فعل سياسية، بل باعتبارها بداية لإعادة هندسة المشهد السياسي الجنوبي على أسس أكثر توازناً وعدالة. فإذا اكتملت هذه التجربة، وأصبح لكل محافظة مجلسها الجامع الذي يمثل مختلف مكوناتها، فإن الجنوب سيكون أمام مرحلة جديدة تنتقل فيها السياسة من مركزية القرار إلى شراكة المحافظات، ومن احتكار التمثيل إلى توزيع المسؤولية، ومن هيمنة القوى إلى توازن المؤسسات، وهو ما قد يشكل أحد أهم التحولات السياسية التي عرفها الجنوب خلال العقود الأخيرة.