أخبار محلية

اسرار | بالوثائق والأرقام: (اقتصاد الظل) واستنزاف قطاع النفط والغاز في اليمن | تحقيق يكشف شبكات المصالح المشتركة وتقاسم العوائد بين أطراف الصراع ورموز السلطة الشرعية

اسرار سياسية- اسرار سياسية 06/07/2026 00:54 1,901 مشاهدة
اسرار | بالوثائق والأرقام: (اقتصاد الظل) واستنزاف قطاع النفط والغاز في اليمن | تحقيق يكشف شبكات المصالح المشتركة وتقاسم العوائد بين أطراف الصراع ورموز السلطة الشرعية

تحقيق يكشف شبكات المصالح المشتركة وتقاسم العوائد بين أطراف الصراع ورموز السلطة الشرعية

مقدمة: أزمة الشرعية والموارد المستباحة

في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد اليمني من انهيار شبه كامل، وتوقف الصادرات النفطية الرسمية جراء الهجمات والتهديدات الأمنية، كشفت حزمة واسعة من الوثائق والمستندات الرسمية والمراسلات الداخلية البالغ عددها أكثر من 300 وثيقة—والتي أثارها نشطاء وإعلاميون وصحفيون عرب—عن عمق الفساد الهيكلي في قطاع النفط والغاز. وتُشير المعطيات إلى وجود "اقتصاد حرب" موازٍ تتشابك فيه مصالح قوى حكومية تابعة للشرعية، مع قوى ميدانية يمنية وإقليمية، وصولاً إلى تنسيق مالي غير معلن يمتد إلى مناطق سيطرة جماعة الحوثي.

تتمحور هذه العمليات حول ثلاث شركات نفطية رئيسية هي: شركة صافر لعمليات الإنتاج والاستكشاف، شركة بترومسيلة، وشركة OMV النمساوية، بالإضافة إلى دخول شركة جنة هنت الأمريكية مؤخراً في خط الأزمات الإدارية والمالية.

أولاً: أنبوب صافر... نهب ممنهج وتمويل عابر للحدود

وفقاً لتحقيق استقصائي نشره المحلل والصحفي الكويتي جاسم الجريد، والمقيم في كندا، فإن شريان الطاقة الرئيسي في محافظة مأرب (أنبوب نفط صافر) تحوّل إلى مصدر تمويل غير مشروع لشبكات فصائلية وحزبية.

آليات الاستنزاف الميداني:

تخريب هادف للبنية التحتية: رصد التحقيق وجود 138 ثقباً مفتعلاً على الأقل في أنبوب النفط، على مسافة ضيقة لا تتجاوز 50 كيلومتراً في مديرية الوادي ومناطق قبائل عبيدة.

الأسواق السوداء واقتصاد الحرب: تُستنزف من هذه الثقوب آلاف البراميل يومياً، وتُنقل عبر صهاريج متنقلة تمر عبر نقاط صحراوية تحت أنظار التشكيلات العسكرية والأمنية التابعة لحزب الإصلاح (المظلة السياسية للإخوان المسلمين في مأرب)، لتباع في الأسواق السوداء ومناطق سيطرة الحوثيين.

الامتداد الإقليمي: أشار التحقيق إلى أن جزءاً من العوائد المالية لهذه العمليات الناتجة عن مبيعات النفط المهرب تُستخدم لتمويل أنشطة وشبكات تابعة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، بما في ذلك فروع في السودان ودول أخرى.

ملاحظة وربط دولي: تتقاطع هذه البيانات مع تقارير سابقة للجنة الخبراء الدوليين التابعة لمجلس الأمن المعنية باليمن، والتي أشارت إلى نشوء "اقتصاد موازٍ" يغذي أطراف الصراع ويسهم في إطالة أمد الحرب، قبل أن تسعى أطراف إقليمية لمحو تلك التفاصيل من التداولات الرسمية.

ثانياً: قطاع "العقلة S2" بالأرقام... مليارات مفقودة ونفقات تبديدية

تُشير الوثائق المسربة الخاصة بقطاع العقلة (S2) في محافظة شبوة، والذي تديره شركة OMV النمساوية، إلى أرقام مالية ضخمة تثير تساؤلات حادة حول مصير الثروة السيادية:

تهريب الأموال والتنسيق المالي مع صنعاء:

تكشف إحدى المراسلات المؤرخة في 29 نوفمبر 2021 الصادرة عن شركة OMV (Yemen Block S2) عن عملية تحويل مالي ضخمة بقيمة تقارب 94.4 مليون دولار إلى اليورو عبر حساب تجميعي (EUR Pooling Account) بغرض توزيع أرباح عام 2020. وتوضح المسارات اللوجستية نقل وتنسيق أموال من شبوة وصولاً إلى شارع حدة في العاصمة صنعاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، مما يعكس وجود قنوات تنسيق مالي وغسيل أموال مشتركة تتجاوز الخلافات السياسية الظاهرة.

ثالثاً: الصراع الإداري وتمرير قرارات الفساد

توضح الوثائق حالة من الصدام بين المسؤولين الأجانب في الشركات النفطية والمسؤولين في وزارة النفط التابعة للشرعية بسبب رفض الإدارات الأجنبية لآليات الفساد الإداري:

1. التوظيف الوهمي: رفض المدير الأجنبي لشركة "جنة هنت" قرارات تعيين موظفين وهميين من أبناء مشايخ قبليين وناشطين وأبناء مسؤولين في السلطة، مما دفع بالجانب الحكومي للمطالبة بعزله.

2. الاستحواذ المالي التنازعي: كشفت الوثائق عن نزاع مالي وإداري حاد بين (بترومسيلة، OMV، وزارة النفط، وجنة هنت) حول أحقية إدارة وتشغيل الحقول. وتُشير التقارير إلى تحويل 3 مليارات دولار إلى سلطنة عُمان لتأسيس شركة استثمارية هناك، دخلت على خطها شخصيات مقربة من رئاسة مجلس القيادة الرئاسي لضمان تدفق تلك الأموال لصالح نخب سياسية محددة.

رابعاً: الخروقات البيئية والقانونية في اتفاقية تسليم حقل العقلة

تُمثل المذكرة الرسمية الصادرة عن هيئة استكشاف وإنتاج النفط عبر مديرها خالد باحميش، إدانة قانونية صريحة للآلية التي أدارت بها وزارة النفط والحكومة ملف انسحاب شركة OMV النمساوية وتسليم الحقل للمؤسسة اليمنية للنفط والغاز.

تضمنت المذكرة 12 خرقاً قانونياً وفنياً، أبرزها:

التنصل من المسؤولية: محاولة تمكين شركة OMV من التخلي عن التزاماتها المالية والفنية والقانونية المنصوص عليها في اتفاقية المشاركة في الإنتاج (PSA).

انعدام الكفاءة التشغيلية البديلة: تسليم القطاع للمؤسسة اليمنية للنفط والغاز التي تفتقر للقدرة المالية والخبرة التشغيلية والفنية، مما يهدد بتعثر الحقل وانهيار بنيته التحتية.

إهدار الحقوق المالية للدولة: تخصيص مبلغ 8 ملايين دولار كنفقات تشغيلية خلال فترة انسحاب الشركة، في حين أن الاتفاقية الأصلية الممتدة حتى عام 2026 تُلزم الشركة الأجنبية بكافة النفقات التكلفة، وهو ما عُدّ تنازلاً غير مبرر عن حقوق الدولة، وتسبب لاحقاً في فصل وتشريد العمالة المحلية.

تجاهل العروض الدولية الأفضل: كشفت المذكرة عن وجود عرض فني ومالي أفضل مقدم من شركة كندية تُدعى BlueSky في نوفمبر 2024، إلا أنه تم تجاهله لصالح تسوية محلية تخدم مراكز قوى داخل السلطة الشرعية.

الكارثة البيئية المؤجلة:

أغفلت الاتفاقات المبرمة الجانب البيئي كلياً؛ حيث تُظهر الصور والتقارير الميدانية من حقل العقلة (S2) تكدس نفايات نفطية خطيرة وأحواضاً مفتوحة مليئة بالمواد الكيميائية والمسرطنة دون معالجة أو تعويض للمتضررين من السكان المحليين، مما يهدد بتدمير البيئة والمياه الجوفية على مدى العقود القادمة.

خلاصة

تثبت الوثائق المتداولة أن قطاع النفط والغاز في اليمن قد تحول من رافد اقتصادي وطني إلى ساحة مفتوحة للمحاصصة السياسية واقتصاد الحرب؛ حيث تلتقي مصالح الخصوم المفترضين (الشرعية، الحوثيين، والقوى الحزبية) في نقاط التمويل المشترك وتبادل العوائد، على حساب البنية التحتية، الاستقرار البيئي، والعيش الكريم للشعب اليمني.