من أعظم ملوك التبابعة في تاريخ اليمن القديم كان "ذمار علي يهبر"؛ الملك الذي حفر اسمه في الذاكرة التاريخية والأثرية بفضل إنجازاته السياسية والعمرانية وبسط النفوذ على كامل جنوب الجزيرة العربية تحت راية واحدة، وعلى اسم هذا الملك الحميري جاء اسم "ذَمار"، المدينة اليمنية التي اشتهرت قبائلها بالبأس والحميّة ورفض الظلم ومنع الذِمار من الهتك والفتك والانتهاك.
وعلى ذكر "الذِمار" أود توضيح أنها تعني في المعاجم: كل ما يحق على الرجل حمايته والذود عنه من أهلٍ، وعِرضٍ، ومال، ووطن، وجار، وأما حامِي الذِّمار" فهو ذلك الرجل الشجاع الذي يحمي أهله وجيرانه ولا يخذل من استنجد به.
وما بين الكسرة والفتحة: وطنٌ وقيمة، وأرض وذمة، وقبيلة ومبدأ، وتلبية لداعي النكف وتأكيد على مبادئ القبيَلة وصون الكرامة.
وإذا ما اعتبرنا الذِمار هي السبب، والنكف هو النتيجة، فقد تحركت إلى مطرح الكرامة قبائل ذمار وشملت: الحدأ وعتمة وعنس ووصاب، والتي تُصنف تاريخياً ضمن أشرس وأقوى القبائل اليمنية وأكثرها تمسكاً بالأسلاف والأعراف، إذ وصلت يوم الأحد، 5 يوليو، مرددة زوامل التحدي، معلنة الجاهزية القصوى للخيارات العسكرية في حال فشل بقية الخيارات، مؤكدين أن القضية قضية شرف وعِرض لا تقبل المساومة.
وفي مطارح الكرامة، التحمت وفود ذمار مع قبائل بكيل، ومأرب، وحضرموت، والبيضاء، والضالع، وشبوة، والمهرة، والمحويت، وأبين وغيرها، في مشهد نادر يعكس وحدة الوجدان القبلي اليمني..
ومع إعلان لجان الوساطة فشل مساعيها بسبب تعنت الحوثيين وإصرار القبائل على الإنصاف الكامل للمرأة، دخل الموقف مرحلة "حبس الأنفاس"، حيث تتفق جميع القبائل الموجودة في المطرح على أن تصرفات المليشيا الحوثية بخصوص قضية الشيخ/ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي، ليست إلا "عيبًا أسود" وانتهاكاً صارخاً لـ"الذِّمار"؛ الشرف والعِرض والعهد والجار، وهي خطوط حمراء لا تقبل القبيلة تمييعها.
ليس الحديث هنا عن قبائل ذمار تخصيصاً لمنطقة بعينها، فالحديث عن أي قبيلة يعني الحديث عن كافة قبائل اليمن، وخاصة في مثل هذه المبادئ والمواقف والمواقع، ومما يجب ألا أنساه هي الإشادة العظيمة بقبائل "دهم" ومشايخها ورجالها الذين سيخلدهم التاريخ في أنصع صفحاته.
لقد عكست الحشود القبلية المتدفقة إلى مطرح الكرامة صورة حية لتصدع جدار الخوف الذي فرضته مليشيا الحوثي لسنوات، وحولت الموقف إلى انتفاضة حقيقية ضد ممارساتها القائمة على تفكيك البنية المجتمعية وطمس الهوية القبلية، وضرب القبائل ببعضها كمبدأ سار عليه أجدادهم منذ القدم، ويدل على ذلك قصيدة رواها الكاهن "أحمد بن سليمان" يُعبّر فيها عن سياسته في إخضاع القبائل اليمنية عبر إثارة النزاعات والحروب، وفيها يقول:
"ولأضربن قبيلة بقبيلة ** ولأجعلن ديارهن نواحا"
هذا الأمر يتجلى بوضوح في محاولات الحوثي شق صف القبائل عبر تأسيس مطارح مضادة وحشد لجان وساطة وهمية، إلا أن هذه المحاولات منيت بالفشل، ولكن يجب أن تدرك تلك القبائل ومن ورائها الحكومة الشرعية أن أي انهزام في هذا الموقف يعني الرضوخ لـ"العار" الذي ستتوارثه الأجيال، لأن الهزيمة هنا هي شرعنة لانتهاك العِرض، ودفنٌ للأسلاف والأعراف التي تعاهد عليها الآباء والأجداد.
والخلاصة.. أن هذا الاحتشاد غير المسبوق يضع الموقف الميداني اليوم أمام مسارين: إما أن يستجيب الحوثي الذي لا يرى في القبيلة سوى مخزنٍ للحشد البشري، فيقوم بالإفراج الكامل عن المرأة "ميرا"، وردّ المظالم، وتقديم "العدول" القبلية لترضية الشيخ بن فدغم وقبائل دهم، بالرغم من ما يمثله هذا المسار من طوق نجاة للحوثيين، إلا أنه يحمل في طياته اعترافًا ضمنيًا بانكسار "مشروع السلالة" أمام قوة القبيلة وتوحد موقفها.
وأما المسار الثاني -وهو الأقرب- فيتمثل في فتح أبواب الجحيم على خطوط إمداد المليشيا وإعلان الحرب، وفي هذا المسار يجب أن تدرك الشرعية أن "مطارح الكرامة" قد قدمت لها على طبق من ذهب أثمن فرصة استراتيجية لانتزاع الكرامة واستعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها، وإعلان المعركة الفاصلة، معركة الكرامة والشرف التي لا بد أن تنتصر في النهاية، ليظل التحام القبيلة اليمنية مع الدولة -كما كانت دائمًا- في المعارك الكبرى؛ هو خط الدفاع الأول والأخير عن عروبة الأرض وكرامة الإنسان.