أخبار محلية

إلى متى ستستمر الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية؟ (الجزء الثاني)

المنتصف نت- المنتصف نت 13/07/2026 14:38 230 مشاهدة
إلى متى ستستمر الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية؟ (الجزء الثاني)

خامسًا: من استراتيجية النفوذ إلى المواجهة المباشرة... كيف غيّرت حرب 2025–2026 معادلات الإقليم؟
إذا كان الجزء الأول قد بيّن أن الاستراتيجية الإيرانية قامت لعقود على إدارة النفوذ عبر الحلفاء والوكلاء، وتجنب الانخراط في حرب تقليدية مباشرة، فإن التطورات التي شهدها الإقليم خلال عامي 2025 و2026 كشفت عن تحول مهم في طبيعة الصراع، تمثل في انتقال المواجهة الأمريكية–الإيرانية، والإيرانية–الإسرائيلية، من مرحلة "حرب الظل" إلى مستوى أكثر انكشافًا واتساعًا.

فقد شهد عام 2025 واحدة من أخطر جولات التصعيد العسكري، عندما تعرضت منشآت وقواعد ومواقع عسكرية إيرانية لضربات أمريكية وإسرائيلية، وردّت طهران بعمليات صاروخية وبالطائرات المسيّرة، وباستخدام أذرعها العسكرية في أكثر من ساحة إقليمية، الأمر الذي جعل المنطقة تقف على حافة مواجهة إقليمية شاملة.
ورغم أن الطرفين حرصا على تجنب حرب مفتوحة وطويلة، فإن أحداث عام 2026 أكدت أن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد قائمة، وأن استخدام القوة العسكرية المباشرة أصبح خيارًا مطروحًا كلما رأت واشنطن أو حلفاؤها أن المصالح الاستراتيجية أو أمن الملاحة الدولية أصبحا مهددين.
وفي هذا السياق، جاءت الضربات العسكرية التي أعلنت عنها القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) خلال الأيام الأخيرة، والتي استهدفت مواقع وقدرات عسكرية مرتبطة بإيران، لتؤكد أن الولايات المتحدة انتقلت من سياسة الردع غير المباشر إلى سياسة استنزاف القدرات العسكرية التي ترى أنها تهدد أمن المنطقة وحرية الملاحة الدولية.
وفي المقابل، استمرت طهران في التمسك باستراتيجية الرد غير المتماثل، عبر المحافظة على شبكات حلفائها الإقليميين، والاحتفاظ بأوراق ضغط متعددة في الخليج والبحر الأحمر والعراق ولبنان واليمن، بما يضمن استمرار قدرتها على التأثير في أي معادلة تفاوضية مستقبلية.

سادسًا: التفاهمات الأولية بين واشنطن وطهران... تهدئة مؤقتة أم إعادة ترتيب للصراع؟
ورغم التصعيد العسكري غير المسبوق، فإن المشهد الإقليمي كشف، في الوقت ذاته، عن استمرار الاتصالات السياسية غير المباشرة بين واشنطن وطهران.
فقد أظهرت التطورات خلال عامي 2025 و2026 أن الطرفين لا يسعيان، حتى الآن، إلى حسم الصراع عسكريًا، بقدر ما يحاول كل منهما تحسين موقعه التفاوضي قبل الوصول إلى أي تفاهمات أوسع تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وأمن الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة.
وتعكس هذه المعادلة ما يمكن وصفه بسياسة "التفاوض تحت النار"، حيث تتزامن العمليات العسكرية مع استمرار القنوات الدبلوماسية، بما يسمح للطرفين بالحفاظ على أوراق القوة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
غير أن هذه التفاهمات تبقى هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة، لأنها لم تعالج جذور الصراع المتعلقة بالنفوذ الإقليمي، والبرنامج الصاروخي الإيراني، وشبكات الوكلاء المسلحين، وهو ما يجعل المنطقة تعيش حالة من "الهدنة القلقة".

المحور الرابع: أدوات التمدد الإيراني في العالم العربي
لم تعتمد إيران في توسيع نفوذها على القوة العسكرية التقليدية وحدها، وإنما بنت استراتيجية متعددة الأدوات، تقوم على توظيف الأيديولوجيا، والمليشيات، والاقتصاد، والإعلام، والعمل الاستخباراتي، والدبلوماسية، في إطار مشروع طويل الأمد يستهدف إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
وتتمثل أبرز هذه الأدوات في:
- إنشاء وتسليح وتمويل جماعات مسلحة تدين بالولاء المباشر لـ«ولاية الفقيه».
- استغلال الأزمات الداخلية والانقسامات الطائفية والسياسية للدخول كطرف "حامٍ" لفئة معينة.
- استخدام الخطاب الديني والثوري لتعبئة الأنصار وتبرير التدخلات الخارجية.
- بناء شبكات اقتصادية وتجارية موازية تمول النشاط العسكري بعيدًا عن رقابة الدول.
- اختراق المؤسسات الرسمية للدول الضعيفة وتحويلها تدريجيًا إلى أدوات تخدم المشروع الإيراني.
- استخدام وسائل الإعلام والمنصات الرقمية لصناعة الرواية الإيرانية والتأثير في الرأي العام.
لقد أثبتت التجربة أن إيران لا تحتاج إلى احتلال عسكري مباشر بقدر حاجتها إلى إنشاء وكلاء محليين يتحكمون بقرار الدولة من الداخل.

المحور الخامس: اليمن... الحلقة الأخطر في المشروع الإيراني
تمثل اليمن أحد أخطر ميادين الصراع الإقليمي، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما لأنها أصبحت منصة متقدمة للمشروع الإيراني على حدود الجزيرة العربية.
فمنذ انقلاب جماعة الحوثي عام 2014، أخذ الدعم الإيراني يتطور بصورة متسارعة، وانتقل من الدعم السياسي والإعلامي إلى التدريب العسكري، ونقل التكنولوجيا العسكرية، وتطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة.
وأصبح الحوثيون يمثلون أحد أهم أذرع إيران العسكرية خارج حدودها، إلى جانب حزب الله اللبناني والفصائل العراقية.
وقد ترتب على ذلك:
- إطالة أمد الحرب اليمنية.
- تعميق الأزمة الإنسانية.
- تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
- استهداف المنشآت النفطية في دول الخليج.
- تهديد الأمن القومي العربي بصورة مباشرة.
ولا يمكن فهم الأزمة اليمنية بمعزل عن المشروع الإيراني الأشمل، كما لا يمكن الوصول إلى سلام دائم دون معالجة البعد الإقليمي للصراع.

المحور السادس: البحر الأحمر... من ممر تجاري إلى ساحة صراع
أصبحت السيطرة على البحر الأحمر أحد أهم أهداف المشروع الإيراني، نظرًا لما يمثله من أهمية استراتيجية للتجارة العالمية وأمن الطاقة.
وقد استخدمت إيران الحوثيين لتحقيق هذا الهدف عبر:
- استهداف السفن التجارية.
- تهديد الملاحة الدولية.
- استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد السفن.
- فرض واقع أمني جديد يسمح لطهران باستخدام الورقة البحرية في أي مواجهة مع الغرب.
إن تحويل البحر الأحمر إلى ساحة ابتزاز سياسي يمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي، وليس للدول العربية فقط.
ولهذا السبب أصبحت القوى الدولية أكثر انخراطًا في حماية خطوط الملاحة، باعتبار أن أمن البحر الأحمر أصبح جزءًا من الأمن الدولي.

المحور السابع: لماذا تستمر الاعتداءات الإيرانية؟
رغم العقوبات والضغوط الدولية، لا تزال إيران تواصل سياساتها التوسعية لعدة أسباب، أهمها:
أولًا: غياب الردع العربي الموحد.
ثانيًا: الانقسامات العربية التي تمنح إيران فرصًا للتغلغل.
ثالثًا: اعتماد إيران على الحرب غير المباشرة عبر الوكلاء، ما يقلل كلفة المواجهة المباشرة.
رابعًا: توظيف القضية الفلسطينية وشعارات "المقاومة" لتوسيع النفوذ وكسب التعاطف الشعبي، رغم أن تدخلاتها الفعلية كثيرًا ما أفضت إلى تعميق الانقسامات في الدول العربية.
خامسًا: إدراك طهران أن المجتمع الدولي غالبًا ما يفضل سياسة الاحتواء والتفاوض على المواجهة المباشرة، وهذا الأمر جعل طهران تتمادى في مواصلة استهداف الدول العربية، حتى تلك التي حاولت تجنب النزاع معها وتقديم الخدمات، مثل سلطنة عُمان وغيرها.

*أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز