بينما يغرق المواطن اليمني في بحر من المعاناة التي لا تنتهي، تطل علينا السلطات بمسرحية هزلية جديدة تُسمى "تثبيت سعر الصرف". يظن المسؤولون، وهم القابعون في أبراجهم العاجية بعيدًا عن صرخات الجياع، أن خفض أرقام الصرف على شاشات الصرافين كفيل بملء بطون خاوية، أو ترميم حياة انهارت تمامًا.
الحقيقة المُرّة هي أن هذا الإجراء لم يكن سوى وهم بصري، حيث ظلت الأسعار في السماء، بل زادت طغيانًا، في الوقت الذي فقد فيه المواطن حتى "مخرج الطوارئ" الذي كان يجد فيه عزاءه عند توفر العملة الصعبة.
لقد بات المواطن اليوم محاصرًا بين نار الغلاء الفاحش، ونار القرارات الارتجالية التي لا تلامس واقعه، ليتساءل الجميع: إلى متى تستمر هذه "المهزلة" التي يدفع ثمنها البسطاء من أعمارهم وأقوات أطفالهم، بينما ينعم "المسؤولون" بامتيازات تُصرف بعملات لا يعرف المواطن قيمتها إلا في أحلامه الموءودة؟
في تعز ندفع الضريبة مرتين؛ مرة بحصار الحرب، ومرة بحصار الجوع.
(سالم، أب لستة أطفال – محافظة تعز) يقول:
"يقولون إن الدولار نزل إلى 1554 ريالًا، لكن هل نزل سعر كيس القمح؟ هل انخفضت فاتورة الكهرباء؟ والله إننا نعيش في جحيم لا يُطاق. كنت أعتمد على حوالة بسيطة تصلني من قريبي في السعودية، كانت تستر حالنا وتوفر لنا دقيقنا وزيتنا، أما اليوم فقد تبخرت قيمة الحوالة مع ثبات الأسعار الكارثي.
المسؤولون يتحدثون عن إنجازات وهمية، بينما نحن نبحث عن كسرة خبز مغمسة بالذل والمهانة.
هؤلاء الوزراء لا يملكون ذرة إحساس، يتقاضون رواتبهم بالدولار ولا يدرون عن سعر كيس السكر شيئًا. لقد تحولنا إلى أرقام في حساباتهم، مجرد أدوات لإضفاء الشرعية على فشلهم الذريع، ونحن في تعز ندفع الضريبة مرتين؛ مرة بحصار الحرب، ومرة بحصار الجوع الذي تفرضه قراراتهم العبثية التي تزيدنا فقرًا فوق فقرنا."
هذا التثبيت المزعوم لسعر العملة هو أكبر عملية احتيال تعرضنا لها.
(فاطمة، أرملة ومعيلة لأسرتها – عدن) قالت:"لا تسألوني عن الصرف، اسألوني عن عدد المرات التي ننام فيها دون عشاء. هذا التثبيت المزعوم لسعر العملة هو أكبر عملية احتيال تعرضنا لها. حين كان الدولار بـ2200، كنت أستطيع تدبير أموري بصعوبة، والآن، مع هذا الانخفاض القسري المفتعل، أغلق التجار محلاتهم أو زادوا الأسعار بحجة الضرائب والجمارك، بينما المسؤولون يصفقون لأنفسهم في فنادقهم.
أي دولة هذه التي تترك شعبها يقتات من براميل القمامة بينما وزراؤها يتسوقون من عواصم العالم؟ نحن لا نعيش، نحن فقط ننتظر الموت في صمت.
قراراتهم ليست للمواطن، بل لحماية كراسيهم ومصالحهم الضيقة، وكل من يطبل لهذا القرار هو شريك في قتلنا جوعًا وتشريدًا وذلًا."
(أحمد، موظف حكومي – محافظة حضرموت) قال:
"نحن الموظفون ضحية لأسوأ إدارة اقتصادية في تاريخ اليمن. راتبي بالريال اليمني فقد قيمته تمامًا، ومع تلاعب السلطات بسعر الصرف، أصبح الراتب لا يكفي أجرة مواصلات لأسبوع واحد.
هؤلاء المسؤولون يعيشون في رفاهية مطلقة، ومخصصاتهم بالدولار والريال السعودي تُصرف بانتظام، بينما نحن ننتظر الفتات.
إنهم يمارسون علينا الإذلال المتعمد، ويفرضون إجراءات ارتجالية لا تستند إلى منطق اقتصادي، بل تهدف إلى تكديس الأموال في جيوبهم.
كيف يمكن لمسؤول أن ينام وهناك شعب كامل يموت في اليوم ألف مرة؟
لا أمل يُرتجى من حكومة تفتقر إلى أدنى درجات المسؤولية، فكل قرار يصدرونه هو مسمار جديد في نعش كرامة هذا المواطن الذي سحقته حروبهم وصراعاتهم."
هؤلاء المسؤولون لا يرون فينا بشرًا، بل مجرد وسيلة لاستنزاف المعونات والمنح.
(مريم، طالبة جامعية – محافظة إب) قالت:"تخرجت من الجامعة لأصطدم بواقع مرير لا مكان فيه للطموح. والدي يكدح ليل نهار ليوفر لنا لقمة العيش، وكلما سمعنا عن تحسن في سعر الصرف استبشرنا خيرًا، لكنها خيبة تلو الأخرى.
الأسعار في الأسواق تتحدى المنطق، وكلما انخفض سعر الصرف، زاد جشع التجار المدعومين من كبار المسؤولين. إنها منظومة فساد متكاملة، حيث تتقاسم السلطة والتجار خيرات البلاد وتتركون لنا الفتات والقهر.
هؤلاء المسؤولون لا يرون فينا بشرًا، بل مجرد وسيلة لاستنزاف المعونات والمنح. أين ذهبت مليارات الدولارات التي دخلت خزينة الدولة؟ لماذا لا ينعكس أي شيء على حياتنا؟
نحن جيل ضائع، مهدد بالجهل والجوع، والسبب هو هذه القيادة التي لا همّ لها سوى أرصدتها البنكية في الخارج."
نحن نموت عطشًا وجوعًا وهم يتلاعبون بالأرقام.
(خالد، صياد – محافظة الحديدة) قال:"البحر لم يعد يعطينا كما كان، والوقود أصبح سعره خياليًا. الحكومة ترفع أسعار الوقود بذرائع واهية، ثم تأتي لتخبرنا أنها ثبتت سعر الصرف لتسعدنا!
أي سخرية هذه؟ نحن نموت عطشًا وجوعًا وهم يتلاعبون بالأرقام.
المسؤولون يظنون أننا أغبياء، ولا نعلم أن تثبيت الصرف هذا ما هو إلا لعبة لتجفيف ما تبقى في أيدينا من عملة صعبة. لقد خنقونا بالضرائب والجمارك وأسعار الوقود، وتركوا التجار ينهشون لحمنا.
إنهم يمارسون سياسة التجويع الممنهج لإخضاع الناس، فلا صوت يعلو فوق صوت الجوع. أقسم أن هؤلاء الوزراء لو ذاقوا يومًا واحدًا من أيامنا، لانهاروا فورًا، لكنهم يعيشون في كوكب آخر بعيدًا عن أوجاعنا."
المسؤولون يغضون الطرف لأنهم جزء من اللعبة.
(ياسر، عامل يومي – محافظة مأرب) قال:
"أبحث عن عمل يومي لأطعم أطفالي، ولا أجد إلا القهر. هذا التلاعب بسعر الصرف هو ضربة قاضية لمن هم مثلي.
التجار يربطون الأسعار بالمزاج، والمسؤولون يغضون الطرف لأنهم جزء من اللعبة. أين دور الرقابة؟ أين وزارة الصناعة والتجارة؟ لا وجود لهم إلا في الإعلام.
هؤلاء المسؤولون لا يعرفون طعم التعب، يعيشون حياة ملوك، بينما نحن نتحول إلى هياكل عظمية. قراراتهم عشوائية ومتهورة، تزيدنا تدهورًا بدلًا من الإصلاح.
نحن لا نريد وعودًا زائفة ولا أرقامًا جوفاء، بل نريد حياة كريمة تُحفظ فيها كرامتنا، ونريد مسؤولين يتقون الله في هذا الشعب المقهور الذي لم يعد يملك من أمره شيئًا سوى الدعاء."
الختام: صمت يسبق الانفجار
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال معاناة الشعب اليمني في أرقام جامدة على شاشات الصرافين، ولا في قرارات حكومية تفتقر إلى الرؤية والصدق.
إن ما يحدث اليوم ليس سوى فصل جديد من فصول التلاعب بمصائر ملايين البشر الذين وجدوا أنفسهم رهائن لطبقة سياسية لا تشعر بأوجاعهم، ولا تبالي بانهيار أحلامهم.
لقد صار واضحًا أن الحلول الترقيعية والمسرحيات الاقتصادية لن تخدع مواطنًا جرّب مرارة الجوع، واكتوى بنار الغلاء، وفقد الثقة في كل وعود المسؤولين.
إن حالة القهر والذل التي يعيشها اليمنيون اليوم نتيجة هذه السياسات المتخبطة هي قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.
فالحكومة التي تنفصل عن واقع شعبها، وتكتفي بحماية رفاهية وزرائها، إنما تكتب نهايتها بيديها، والتاريخ لا يرحم من استخف بدموع الجياع وأنين المقهورين.