إذا أردنا أن نختبر سيادة الدولة، حينها لا يكون هناك مكان لأنصاف المواقف او الحلول، ولا قيمة للخطابات والبيانات، لأن الدولة تُبنى بقوة القرار، والحفاظ على هيبتها أمام شعبها، والسيادة الحقيقية مسؤولية تُمارس في اللحظات المصيرية.
وكما هو متعارف عليه، فإن الدول تُقاس سيادتها بما تستطيع السلطة فرضه على الأرض، لا بما تكتبه في بياناتها، أما حين تتحول البيانات إلى محاولة لتفسير ما حدث بعد أن يكون الواقع قد سبقها، فإنها تصبح دفاعًا عن الموقف أكثر من كونها تعبيرًا عن قوة الدولة، ويغدو الخطاب الرسمي عاجزًا عن ترميم ما كسرته الوقائع.
ما جرى مع الطائرة الإيرانية لم يكن مجرد رحلة جوية، ولم يكن مجرد خلاف حول مطار صنعاء أو الحديدة، بل كان اختبارًا مباشرًا للدولة اليمنية، وللشرعية التي تستمد وجودها من قدرتها على الدفاع عن سيادة البلاد قبل أي شيء آخر. ولهذا، فإن الصورة التي بقيت في أذهان اليمنيين لم تكن نص البيان الرئاسي، بل صورة طائرة وصلت، وهبطت، واستُقبل ركابها، بينما بقيت الدولة تشرح أسباب ما لم تفعله، وهي صورة يصعب على أي خطاب لاحق أن يمحو أثرها.
ومن هنا، فإن المشكلة ليست في أن القيادة اختارت عدم توسيع المواجهة؛ فذلك قرار سيادي قد تفرضه اعتبارات عسكرية أو إنسانية أو إقليمية لا يعرفها الرأي العام كاملة، لكن المشكلة أن القيادة سبقت الحدث بخطاب مرتفع السقف، ثم جاءت النتيجة على الأرض أقل بكثير من مستوى تلك التوقعات.
في السياسة، كلما ارتفع سقف الوعود، ارتفع معه حجم الخسارة عندما لا تتحقق، واتسعت الفجوة بين ما قيل وما شاهده الناس بأعينهم.
وعليه، فإن الدولة التي تعلن أنها لن تسمح بانتهاك أجوائها، ثم تنجح الطائرة في الهبوط داخل أحد مطاراتها، تجد نفسها أمام معركة أصعب من معركة الطائرة نفسها، وهي معركة استعادة الثقة فالمواطن لا يقارن بين النوايا، بل بين ما سمعه وما رآه ،وإذا تعارضت الصورة مع الخطاب، فإن الصورة هي التي تنتصر دائمًا، لأنها تفرض نفسها بوصفها الحقيقة التي لا يمكن إنكارها.
والأكثر إثارة للانتباه أن البيان الرئاسي حاول الإجابة عن معظم الأسئلة، لكنه أغفل السؤال الوحيد الذي كان ينتظر الجميع إجابته: لماذا انتهى الأمر بهذه الصورة؟ فإذا كانت القوات في أعلى درجات الجاهزية، وإذا كانت الدولة قد استكملت تقديراتها العسكرية والسياسية، وإذا كانت كل التحذيرات قد أُطلقت مسبقًا، فلماذا نجحت الرحلة في نهاية المطاف؟ هذا السؤال ظل معلقًا، بينما امتلأ البيان بتوصيفات عن السيادة والجاهزية والردع، من دون أن يقدم تفسيرًا عمليًا لما حدث، وهو ما عمّق حالة التساؤل بدلًا من احتوائها.
وليس هذا فحسب، بل إن الأخطر من ذلك أن الشرعية بدت وكأنها تخوض معركتين في آن واحد؛ معركة مع الحوثيين، ومعركة مع الرأي العام ،ففي الأولى، كان عليها أن تمنع فرض أمر واقع جديد، وفي الثانية كان عليها أن تقنع اليمنيين بأن ما جرى لا يمثل تراجعًا لكنها خسرت مساحة مهمة في معركة الرواية، لأن الوقائع سبقت التبريرات، ولأن الرأي العام لا يمنح ثقته بسهولة عندما تتقدم الأحداث على التفسيرات.
ومن زاوية أخرى، فإن إدارة الأزمات لا يكفي فيها أن تقول إنك قدمت مبادرات رفضها الطرف الآخر، بل ينبغي أن تعرضها للرأي العام، ولا يكفي أن تتحدث عن انتهاك للقانون الدولي، بل ينبغي أن تشرح أين وقع الانتهاك، وما الذي ستفعله الدولة بعد ذلك، وكيف ستمنع تكراره فكل معلومة غائبة تفتح الباب أمام رواية مضادة، وكل فراغ في الخطاب تملؤه التأويلات، حتى تتحول الشكوك إلى قناعات يصعب تغييرها.
وفي السياق ذاته، فإن تحميل إيران المسؤولية السياسية لا يعفي مؤسسات الدولة من مسؤوليتها التنفيذية. فالمواطن اليمني لا يسأل أولًا عمّن يقف خلف الطائرة، بل يسأل: ماذا فعلت الدولة لمنعها؟ وما هي الأدوات التي استخدمتها؟ ولماذا انتهى المشهد على النحو الذي انتهى إليه؟ هذه أسئلة تتعلق بالأداء، لا بالخصوم، وهي المعيار الحقيقي الذي تُقاس به كفاءة الدولة أمام شعبها.
كما أن أكثر ما أضر بصورة الشرعية هو أن بياناتها جاءت وكأنها محاولة لاستعادة زمام المبادرة بعد أن فقدته. فالبيان الذي يعلن أن الدولة لن تسمح مستقبلًا بتكرار ما حدث، يثير سؤالًا بديهيًا: لماذا حدث أصلًا؟ ولماذا لم تتحول التحذيرات السابقة إلى إجراءات تمنع الوصول إلى هذه النتيجة؟ فاستعادة المبادرة تبدأ بالفعل، لا بالتصريحات.
واليوم، لا تواجه الشرعية تحديًا عسكريًا فقط، بل تواجه أزمة ثقة تتسع عامًا بعد عام فكل مرة يتقدم فيها الخطاب على القدرة التنفيذية، تتآكل المصداقية، ويصبح استعادتها أكثر صعوبة، والدول لا تُضعفها الهزائم وحدها، بل يضعفها أيضًا اتساع الفجوة بين ما تعلنه وما تستطيع إنجازه، لأن الثقة إذا اهتزت احتاجت إلى أفعال كبيرة لاستعادتها.
ولهذا، فإن الدرس الذي تفرضه هذه الحادثة يتجاوز رحلة طائرة واحدة إنه يتعلق بطريقة إدارة الدولة للأزمات، وبأولوية بناء الثقة قبل بناء الخطاب. فالسيادة ليست شعارًا يُرفع عند وقوع الأزمة، بل قدرة تُثبت قبل أن تقع والردع ليس بيانًا قويًا، بل فعل يجعل الخصم يعيد حساباته قبل أن يختبر الدولة، ويجعل المواطن يطمئن إلى أن مؤسسات بلاده قادرة على حماية هيبتها.
قد تنجح البيانات في تهدئة الجدل لساعات، لكنها لا تستطيع تغيير ما سجله الواقع، فالناس لا يتذكرون عدد البيانات التي صدرت، بل يتذكرون من فرض إرادته في الميدان وفي السياسة، كما في التاريخ، تبقى الوقائع هي النص الأصلي، وما عداها مجرد هوامش.
ولهذا، فإن استعادة ثقة اليمنيين لن تتحقق ببلاغة البيانات ولا بقوة العبارات، وإنما بإجراءات حاسمة تعيد الاعتبار لهيبة الدولة، وتجعل السيادة حقيقة تُرى على الأرض قبل أن تُكتب في البيانات، لأن الأوطان لا يحميها الخطاب، بل يحميها الفعل حين تحين ساعة الاختبار.
لم يعد السؤال كيف وصلت الطائرة الإيرانية إلى الحديدة، بل كيف وصلت الدولة اليمنية إلى هذا القدر من الانكشاف فالاختراق الحقيقي لم يكن للأجواء، بل لهيبة الدولة، بين شرعية تجيد إطلاق البيانات أكثر من فرض القرار، ومليشيا حوثية إرهابية حولت اليمن إلى ساحة نفوذ إيرانية.
لم يكن هبوط الطائرة الإيرانية حادثًا عابرًا، بل لحظة كشفت سقوط روايتين؛ شرعية تدّعي استعادة الدولة، وحوثيون يرفعون شعار السيادة، بينما مرت الطائرة بهدوء لتفضح الطرفين معًا.
أثبتت الشرعية أن أزمتها ليست في الخطاب، بل في غياب القدرة على تحويل الوعيد إلى فعل، فبدت عاجزة عن حماية الأجواء، مكتفية بردود متأخرة لا تغير من الواقع شيئًا. وفي المقابل، أكد الحوثيون تبعيتهم لإيران، بعدما تحولت شعارات الاستقلال إلى غطاء لمشروع خارجي يتصرف في المنافذ اليمنية وفق مصالحه.
في المحصلة، أدينت الشرعية بالعجز، وأدين الحوثيون بالارتهان، فيما واصلت إيران ترسيخ نفوذها مستفيدة من ضعف الأولى وتبعية الثانية، لتبقى الدولة اليمنية وسيادتها الخاسر الأكبر.
وبالمختصر نقولها: من منع هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء هو من سمح لها بالهبوط في مطار الحديدة. وباختصار أكثر: سقطت اتفاقية استوكهولم، فما الذي ستفعله الشرعية؟