في السياسة، لا تُقاس التجارب بالشعارات، وإنما بالنتائج. وما يكتبه الواقع يبقى أصدق من كل الخطب والبيانات. وبعد اثني عشر عاماً على سيطرة ميليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات بقوة السلاح، يصبح من حق اليمنيين أن يتوقفوا أمام حصيلة هذه السنوات، بعيداً عن الضجيج، وبمنطق الدولة لا بمنطق الجماعة.
ماذا كسب اليمن؟
السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في طياته كل تفاصيل المأساة.
فاليمن الذي كان يبحث عن الاستقرار، وجد نفسه في حرب طويلة. والاقتصاد الذي كان يواجه تحديات كبيرة دخل مرحلة انهيار غير مسبوق. ومؤسسات الدولة، التي يُفترض أن تكون ملكاً لجميع اليمنيين، أصبحت ساحة للسيطرة والإقصاء، بينما تحولت حياة المواطن إلى معركة يومية مع الفقر وغلاء المعيشة وانعدام الخدمات.
اثنا عشر عاماً مرت، لكن المواطن لا يرى سوى واقع أكثر قسوة. ملايين اليمنيين يعيشون تحت خط الفقر، والبطالة اتسعت، وفرص العمل تقلصت، والاستثمار غادر، ورأس المال الوطني أصبح يبحث عن بيئة أكثر أمناً واستقراراً. أما التنمية، فقد أصبحت كلمة مؤجلة في بلد يستهلك وقته وإمكاناته في صراع لا نهاية له.
والخسارة لم تكن اقتصادية فقط.
فالدولة التي تُبنى على المؤسسات والقانون لا يمكن أن تستقر في ظل هيمنة السلاح. وعندما يصبح القرار السياسي مرهوناً بمنطق القوة، تتراجع هيبة المؤسسات، ويضعف القضاء، وتتآكل الإدارة، ويصبح المواطن آخر من تُؤخذ مصالحه في الاعتبار.
وفي الجانب الإنساني، تبدو الصورة أكثر إيلاماً. سنوات طويلة من الخوف، والاعتقالات، ومصادرة الحريات، والتضييق على الإعلام، وتراجع مساحة الرأي الآخر. مجتمع اعتاد التنوع وجد نفسه أمام واقع يضيق بالاختلاف، ويخلط بين المعارضة والعداء، وبين النقد والاتهام.
أما الأطفال، وهم الثروة الحقيقية لأي وطن، فقد دفعوا ثمناً باهظاً. كان يُفترض أن يكون مستقبلهم في المدارس والجامعات، فإذا بكثير منهم يعيشون آثار الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في مشهد يترك ندوباً عميقة في مستقبل البلاد.
ولم يسلم النسيج الاجتماعي من هذه الكلفة الثقيلة. فالحروب لا تهدم الجسور والطرقات فقط، بل تهدم الثقة بين الناس، وتعمق الانقسامات، وتغذي الكراهية، وتؤجل فرص المصالحة الوطنية. وما يُهدم اجتماعياً يحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة بنائه، حتى بعد توقف أصوات السلاح.
وفي المقابل، ظلت الشعارات تتكرر، بينما كان الواقع يسير في الاتجاه المعاكس. فالأوطان لا تُدار بالشعارات، بل بالكفاءة، ولا تُبنى بالخطابات، بل بالمؤسسات، ولا تحقق سيادتها بإضعاف الدولة، وإنما بتقويتها. والسيادة الحقيقية تبدأ من قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وصرف رواتبهم، وتوفير الخدمات، وضمان العدالة، وفتح أبواب المستقبل أمام الشباب.
لقد دفعت اليمن ثمناً باهظاً خلال هذه السنوات، ليس فقط في الأرواح والاقتصاد، وإنما في الفرص الضائعة. فكل عام يمر في ظل الصراع هو عام يُقتطع من عمر التنمية، ومن مستقبل الأجيال، ومن مكانة اليمن الطبيعية في محيطه العربي والإقليمي.
ورغم كل ذلك، فإن الأوطان لا تُقاس بلحظات الانكسار وحدها. فاليمن، بتاريخها العريق وشعبها الصابر، قادر على استعادة عافيته متى توفرت الإرادة الوطنية، وغُلِّبت مصلحة الدولة على مصالح الجماعات، وأُعيد الاعتبار للمؤسسات، وللقانون، وللشراكة الوطنية التي تتسع لجميع اليمنيين دون إقصاء.
بعد اثني عشر عاماً، لم يعد اليمن بحاجة إلى مزيد من الخطابات، بل إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة، ويطوي صفحة الصراع، ويمنح المواطن ما يستحقه من أمن وكرامة وفرص للحياة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه السنوات: إذا كانت الشعارات قد ملأت الفضاء، فأين هي الدولة التي وُعد بها اليمنيون؟ وأين هو المواطن الذي شعر بأن حياته أصبحت أفضل؟ إن الإجابة لا تكتبها البيانات، بل يكتبها الواقع، والواقع يقول إن اليمن يستحق مستقبلاً مختلفاً، ومستقبلاً لا يمكن أن يُبنى إلا بدولة قوية، ومؤسسات فاعلة، وسلام يحفظ كرامة الجميع، ويعيد الوطن إلى أبنائه، ويعيد أبناءه إلى وطنهم.