أعاد توقيع اتفاقية جديدة بين مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وبرنامج الأغذية العالمي، بتمويل سعودي - بريطاني مشترك بقيمة 10 ملايين دولار لدعم الأمن الغذائي وسبل العيش في خمس محافظات يمنية، طرح تساؤلات جدية حول استمرار تغييب الحكومة اليمنية عن الاتفاقيات المتعلقة بمشاريع تُنفذ على أراضيها، رغم أنها السلطة المعترف بها دولياً، والمفترض أن تكون الطرف الأول في التخطيط والإشراف والتوقيع على أي تدخلات دولية داخل البلاد.
فاللافت أن الاتفاقية أُبرمت بين جهات مانحة ومنظمة أممية، بحضور مسؤولين سعوديين وبريطانيين، بينما غابت الحكومة اليمنية بالكامل، ممثلة برئاسة الوزراء ووزارة التخطيط والتعاون الدولي والوزارات المختصة، وكأنها ليست صاحبة الاختصاص ولا الدولة التي ستنفذ هذه المشاريع داخل حدودها.
ولم يعد هذا الغياب استثناءً، بل أصبح نهجاً متكرراً في معظم الاتفاقيات الإنسانية والتنموية الخاصة باليمن، الأمر الذي يعكس تراجعاً خطيراً في مكانة الحكومة الشرعية، وتحولها من سلطة يفترض أن تدير شؤون الدولة إلى متفرج على اتفاقيات تُبرم بشأن شعبها وأراضيها من دون حضورها أو توقيعها.
ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمثل مجرد خلل بروتوكولي، بل يعكس تنازلاً عملياً عن أحد أهم مظاهر السيادة الوطنية، إذ إن إدارة المساعدات والبرامج التنموية داخل أي دولة تُعد من صميم اختصاص حكومتها، بينما أصبح هذا الدور في اليمن يُمارس عبر ترتيبات مباشرة بين المانحين والمنظمات الدولية، في مشهد يكرس تهميش مؤسسات الدولة ويقوض شرعيتها.
ويؤكد خبراء أن استمرار الحكومة في القبول بهذا النمط يعني، عملياً، التخلي عن جزء من صلاحياتها السيادية لصالح أطراف خارجية، والسماح بإدارة ملفات داخلية تمس حياة ملايين اليمنيين بعيداً عن مؤسسات الدولة، بما يجعل الحكومة تفقد تدريجياً دورها كمرجعية وطنية في التخطيط والإشراف والرقابة.
كما أن تجاوز الحكومة في توقيع هذه الاتفاقيات ينسف مبدأ "الملكية الوطنية" الذي تقوم عليه الشراكات الدولية، ويثير تساؤلات حول أسباب قبول السلطة الشرعية بأن تتحول إلى كيان شكلي، بينما تتولى الجهات الخارجية تقرير أولويات المشاريع، وإدارة التمويل، والإشراف على التنفيذ، دون مشاركة حكومية فعلية.
ورغم أهمية الدعم السعودي والبريطاني والدور الإنساني الذي يؤديه برنامج الأغذية العالمي في التخفيف من معاناة اليمنيين، فإن استمرار تغييب الحكومة عن الاتفاقيات الخاصة ببلادها يبعث برسائل سلبية حول حالة الدولة ومؤسساتها، ويعزز الانطباع بأن القرار المتعلق بالمساعدات والبرامج التنموية لم يعد يُصنع داخل المؤسسات اليمنية، بل بات يُدار خارجها، في مشهد يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل السيادة الوطنية ودور الحكومة الشرعية نفسها.