إلى كل من ما زال يظن أن القصة تنتهي بعبادة الصمت... إذن، فلنقرأ معًا الفصل الذي لا ترجع بعده الصفحة!
كثيرًا ما توهمنا أن النهايات في دراما الواقع المفروض تأتي ببيان عسكري باهت، أو بقرار إداري يقضي بنقل موظف غاضب، أو بتسوية عبر "وجبة قات" في ديوان شيخ هادئ. لكننا في إب... في "مدينة السلام" التي تقرأ تعزية موتها على ضوء الشموع، نكتشف أن الحكاية لها وجه آخر، وجهٌ يكتبه القدر بمداد السخرية السوداء، وتخرجه أيادي "المشرفين" ببراعة مذهلة في تحويل أبسط تفاصيل الحياة إلى فيلم رعب صامت.
"حين يتحول الوطن إلى محاصرة، والمدينة إلى معتقل، والجار إلى أداة ابتزاز... فاعلم أننا نعيش الفصل الأخير من مسرحية العبث."
لم تعد القضية في إب مجرد حادثة عابرة تُطوى بتقرير أمني باهت أو تسوية عرجاء. ما يجري اليوم هو هندسة متكاملة للإذلال. أن يصل الأمر بالمليشيا إلى محاصرة مواطن في بيته حتى الموت، فهذه ليست خصومة سياسية ولا فرضًا للنظام؛ هذه تصفيات وجودية تُدار ببرود عجيب. يحاصرون الإنسان في رزقه، وفي حقله، وفي جدران داره، وكأنهم يختبرون كم من الوقت يحتاجه الشعب ليموت واقفًا دون أن يطلق رصاصة واحدة!
وإن أردت أن ترى صناعة الكراهية على أصلها، فانظر كيف يديرون "سوق الفتن" بين الناس. لا يكفيهم أن ينهبوا لقمة العيش، بل يحرصون أشد الحرص على أن يشعلوا النار بين الجار وجاره، والأخ وأخيه. يخلقون الأزمات تلو الأزمات، ويوزعون شح الغاز وقطرات المياه بحسابات دقيقة، ليقف "المشرف" على ربوة عالية يتفرج بابتسامة صفراء على مجتمع ينهش بعضه بعضًا، بينما هو يجمع حصيلة الإتاوات.
أما التاجر في إب... ذلك البائس الذي يعتقد أنه يمارس تجارة شريفة، فليس سوى "صراف آلي" تحت الطلب. يدخل عليه متعهد الجبايات بوجه عابس وعينين تترقبان، ليفرض عليه ضرائب جديدة بلا قانون ولا دستور، بل بقانون "القوة وحد السلاح". تبيع لتعيش أم لتطعم أطفالك؟ لا عذر مقبول؛ فنصف رغيفك للثورة المزعومة، ونصفه الآخر لتمويل بقائهم على صدوركم. وإن اعترضت، فالتهمة جاهزة، والزنزانة تنتظر.
السجون في إب حكاية أخرى من حكايات العبث. لا نيابة تسأل، ولا قاضٍ يحقق، ولا تهمة تحتاج إلى إثبات. يكفي أن تكون رجلًا أبيًا رفض أن ينحني، أو كاتبًا قال "لا" بصوت مرتفع، ليتم زجّك في عتمة لا تراها الشمس.
إب، مدينة السلام التي يغتالونها بطيئًا على مدار الساعة، لن تبقى للأبد رهينةً لهذا العبث. صحيح أن الخوف فرض سياجه، وأن الحصار أطبق على الأنفاس، لكن الطغاة مهما بلغ بطشهم ينسون دائمًا قاعدة التاريخ البسيطة: أن الشعوب التي تتجرع الموت قطرة قطرة، لا بد أن تنهض يومًا لتكسر الكأس على رؤوس سُقّاتها!
أخبار محلية
يوميات الخوف .. سقط المتاع وسقط القناع!