كتب / فيزان سنان بن نعم
ليست كل معركة يخوضها طالب الدكتوراه معركةً مع المنهج، أو مع المراجع، أو مع صعوبة التحليل. ففي كثير من الأحيان، تكون معركته الحقيقية مع البيروقراطية؛ تلك التي لا تقتل الباحث مباشرة، لكنها تستنزفه ببطء، حتى يفقد شغفه قبل أن يفقد موضوعه.
فالجامعة التي وُجدت لتكون مصنعًا للأفكار، قد تتحول أحيانًا إلى ممر طويل من التواقيع، واللجان، والإجراءات، والموافقات، والتأجيلات، حتى يصبح الطريق إلى الفكرة أصعب من الفكرة نفسها.
حين تصبح الورقة أهم من الفكرة ؛ فليس مؤلمًا أن يُطلب من الباحث الالتزام بالضوابط، فالنظام ضرورة لأي عمل علمي. لكن المؤلم أن تتحول الضوابط إلى غاية، وأن تصبح الأوراق أهم من البحث، والختم أهم من المحتوى، والإجراء أهم من الإبداع.
كم من فكرة بحثية ماتت لأنها انتظرت توقيعًا! وكم من باحث فقد حماسه وهو ينتقل بين مكتب وآخر، لا ليناقش فرضية علمية، بل ليكمل سلسلة لا تنتهي من المعاملات.
عندها لا تُهزم الفكرة علميًا... بل إداريًا. فإن البيروقراطية لا تعطل الوقت فقط... بل تعطل العقل
الباحث يعيش مع فكرته كل يوم، وكل تأخير يفرض عليه انقطاعًا ذهنيًا ونفسيًا. فالإبداع يحتاج إلى تدفق، بينما البيروقراطية تقوم على التوقف والانتظار.
وحين يصبح الباحث مشغولًا بمواعيد اللجان أكثر من انشغاله بأسئلة البحث، ندرك أن شيئًا ما قد اختل في فلسفة المؤسسة الأكاديمية.
فالجامعة لا تُقاس بعدد النماذج التي تطلبها، بل بعدد الأفكار التي تُنتجها.
بين التنظيم والتعقيد لا أحد يطالب بالفوضى، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين التنظيم والتعقيد.
التنظيم يجعل الطريق أوضح ، أما التعقيد، فيجعل الوصول إلى الهدف مرهقًا بلا مبرر.
والمؤسسات الناجحة لا تزيد من قيمة الإجراءات، بل تقللها كلما أمكن، حتى يتفرغ الباحث لما خُلق من أجله البحث.
الوقت الذي لا يراه أحد ؛ فكل يوم يضيع في إجراء إداري، هو يوم يُقتطع من عمر فكرة، ومن طاقة باحث، ومن فرصة قد لا تتكرر.
إن خسارة الوقت في البحث ليست خسارة شخصية فقط، بل خسارة للمؤسسة وللمعرفة وللمجتمع الذي ينتظر حلولًا لمشكلاته.
فالتأخير الإداري قد يؤجل رسالة، لكنه قد يؤجل أيضًا اكتشافًا، أو فكرة، أو مشروعًا كان يمكن أن يصنع فرقًا.
رسالة إلى الجامعات:
اجعلوا الباحث يركض خلف المعرفة، لا خلف التوقيعات.
راجعوا إجراءاتكم باستمرار، واسألوا أنفسكم سؤالًا بسيطًا:
هل هذه الخطوة تخدم البحث... أم أنها مجرد عادة ورثناها؟
فالإجراءات وُجدت لخدمة العلم، لا ليصبح العلم أسيرًا لها.
رسالة إلى الباحثين:
لا تسمحوا للبيروقراطية أن تسرق منكم حب المعرفة.
قاوموا بالإصرار، وتحلّوا بالصبر، لكن لا تتوقفوا عن المطالبة بتطوير الأنظمة، فإصلاح البيئة الأكاديمية ليس مطلبًا شخصيًا، بل مسؤولية جماعية.
فكل إجراء غير ضروري يُلغى اليوم... يختصر الطريق على عشرات الباحثين غدًا.
واخيرا
حين تتحول الجامعة إلى إدارة أكثر منها بيتًا للعلم، تخسر رسالتها قبل أن تخسر ترتيبها الأكاديمي ؛ فالمعرفة لا تزدهر في الممرات المزدحمة بالأختام، بل في العقول الحرة التي تجد الوقت والمساحة لتفكر، وتجرّب، وتخطئ، ثم تُبدع.
وإن أخطر أنواع البيروقراطية... تلك التي لا تؤخر المعاملة، بل تؤخر الفكرة.