في خطوة وصفها سياسيون بأنها استراتيجية قلبت موازين القوى في حوض البحر الأحمر، أعلنت المملكة العربية السعودية، رسمياً عن تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، وهو الحدث الذي ولد في الرياض بحضور عسكري دولي رفيع المستوى ضم ثلاثاً وأربعين دولة ومندوبية الاتحاد الأوروبي، ليطرح هذا التكتل تساؤلات جوهرية وعميقة في أروقة مراكز الدراسات السياسية والعسكرية حول ما إذا كانت القيادة السعودية قد قررت تحويل هذه الجبهة المائية الحيوية إلى مصيدة حربية محكمة لإنهاء عربدة المليشيا الحوثية، وما إذا كان هذا التحالف يمثل ضربة اليد العربية والإسلامية الواحدة التي ستُغرس في خاصرة المشروع الإيراني المزعزع للاستقرار الإقليمي والدولي على حد سواء.
زلزال الرياض العسكري وإعادة رسم قواعد الاشتباك البحرية
ولم يكن الاجتماع الموسع الذي استضافته وزارة الدفاع السعودية بمشاركة رؤساء هيئات الأركان العامة مجرد بروتوكول عسكري عابر، بل جاء بمثابة تدشين لمرحلة استراتيجية جديدة كلياً تتجاوز الأطر التقليدية للأمن البحري، حيث يعكس إجماع هذا الحشد الدولي والإقليمي على اختيار الرياض مقراً وقائداً لهذا التحالف الثقة المحورية الكبيرة في الدبلوماسية العسكرية السعودية وقدرتها على حشد الجهود الدولية في أحلك الظروف السياسية. ويتحرك هذا التحالف، الذي يضم في نواته الصلبة أربع عشرة دولة مؤسسة وداعمة من بينها قوى إقليمية وازنة كجمهورية مصر العربية وجمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية إلى جانب دول الخليج العربي، لملء الفراغ الأمني الذي استغلته المليشيا الحوثية على مدار سنوات طويلة في ممارسة الابتزاز العسكري.
ويرى خبراء عسكريون أنه من خلال إنشاء أمانة عامة ومركز عمليات بحرية مشتركة في قلب العاصمة السعودية، تتحول الرياض رسمياً إلى العقل المدبر لشبكة دفاعية مترابطة قادرة على رصد وتتبع وتحييد أي تهديد يمس الممرات المائية من مضيق باب المندب وخليج عدن وصولاً إلى عمق البحر الأحمر، مما يعني نسف القواعد القديمة وفرض واقع عملياتي جديد لا مكان فيه للقرصنة.
المصيدة الحربية وتجفيف الشرايين العسكرية للمليشيا
وتعتمد الاستراتيجية العسكرية الكامنة وراء هذا التحالف المبتكر على مفهوم التطويق الدفاعي والإنهاء العملياتي للتهديدات دون الحاجة للانجرار الدائم إلى حروب برية مفتوحة ومكلفة، حيث ركزت المليشيا الحوثية لسنوات على استخدام الشواطئ والموانئ الغربية لليمن كمنصات متقدمة لتهريب الأسلحة والصواريخ الباليستية ومكونات الطائرات المسيرة ونشر الزوارق المفخخة والألغام البحرية.
هذا وتتكامل فكرة المصيدة الحربية من خلال فرض رقابة صارمة ومحكمة عبر دوريات بحرية مشتركة وشغل الفراغ الاستخباري عبر التبادل الفوري للمعلومات بين الدول المشاركة، وهو ما يحرم الحوثيين من ميزة المباغتة ويفضح تحركات قطعهم البحرية ونقاط إطلاق قذائفهم قبل تحركها من الشواطئ.
ويشير خبراء عسكريون بأن التشجير العملياتي لهذا التحالف البحري يضع خطوطاً حمراء دفاعية تجعل من أي محاولة حوثية لاستهداف الملاحة بمثابة انتحار عسكري محتوم، كونها ستواجه برادع دفاعي منسق ومباشر من أقرب الوحدات البحرية للتحالف، مما يضيق الخناق تدريجياً على القدرات التسليحية للمليشيا ويجبره على الانكفاء العسكري بعدما ظلت المياه الدولية لسنوات مسرحاً مفتوحاً لعملياته الطائشة.
ضربة اليد الواحدة وإجهاض استراتيجية الابتزاز المائي
ولطالما راهنت المليشيا الحوثية ومن ورائها طهران على تشتت المواقف الدولية والإقليمية وعجز الإدارات الغربية عن حسم ملف أمن الملاحة بطريقة مستدامة، إلا أن التحالف البحري الدفاعي الجديد جاء ليمثل تجسيداً عملياً لضربة اليد الواحدة التي تجمع الجغرافيا العربية والإسلامية في جدار صد دفاعي موحد يحمي المقدرات الاقتصادية والأمنية للمنطقة.
إن حضور دول مشاطئة ومحورية للبحر الأحمر كجمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية جيبوتي وجمهورية الصومال، إلى جانب الحكومة الشرعية اليمنية، يمنح التحالف شرعية قانونية وجغرافية مطلقة يسحب بها البساط من تحت أقدام البروباغندا الحوثية التي حاولت طويلاً تسويق عملياتها القرصانية تحت لافتات قومية أو دينية.
وتأتي الصياغة الذكية لبيان التأسيس، كما وصفه محللون سياسيون والتي شددت على أن التحالف ذو طبيعة دفاعية خالصة، لتسقط من يد الحوثيين أي ذريعة لادعاء تعرضهم للعدوان، بينما تمنح في الوقت عينه قطع التحالف البحرية الحق الكامل والمشروع بموجب القانون الدولي في تدمير أي مصدر نيران، الأمر الذي يعني إجهاض استراتيجية الابتزاز الحوثية بشكل كامل وتحجيم دورها كأداة ضغط سياسي وإقليمي.
بين تأمين المصالح الذرائعية وحماية الداخل اليمني المعذب
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً وحساسية يدور في أذهان الشارع اليمني الذي يكتوي بنيران هذه المليشيا منذ سنوات، حول ما إذا كان هذا التحالف البحري الدفاعي سيحمل في طياته فرجاً حقيقياً يحد من مخاطر الحوثي على اليمنيين أنفسهم، أم أن الرياض ستكتفي بتأمين مصالحها البحرية والبرية الحيوية ووقف التهديد عند حدودها الجغرافية واقتصادها الوطني.
المراقبون للشأن السياسي يمتلكون رؤى متباينة في هذا الصدد؛ فالبعض يرى أن تركيز التحالف على البعد الدفاعي البحري وحماية ناقلات الطاقة وسلاسل الإمداد يخدم بالدرجة الأولى مصالح القوى الكبرى والمملكة العربية السعودية الراغبة في حماية مشروعاتها الاقتصادية العملاقة على ساحل البحر الأحمر وضمان تدفق الصادرات النفطية دون منغصات، وهو ما قد يترك الداخل اليمني رهينة لاستبداد المليشيا وحروبها الداخلية ما دام الخطر الحوثي محيداً خلف الشواطئ ولا يطول الجوار برياً أو بحرياً.
وفي المقابل، تنظر قراءات استراتيجية أخرى إلى المشهد من زاوية أوسع، مؤكدة أن كبح جماح القرصنة الحوثية وتجفيف منابع تهريب السلاح عبر البحر هو خدمة مباشرة ومحورية للشعب اليمني وللحكومة الشرعية؛ ذلك أن تحييد السلاح البحري الحوثي وتجريده من أوراق الابتزاز الدولي يضعف بنيته العسكرية الإجمالية ويجبره في نهاية المطاف على الانصياع لجهود السلام الشامل والدخول في تسوية سياسية حقيقية تنهي معاناة اليمنيين، مما يعني أن حماية المصالح البحرية السعودية والخليجية لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن حتمية إضعاف المليشيا وإنقاذ اليمن من ويلات مشروعها التدميري.