عجباً لأرض تتسع لكل أنواع العبث، وتضيق ذرعاً بمن يطلب ثمن أوراق "القات" المسلوبة! فيا سادة يا أكرام، ويا أصحاب الضمائر التي تقطعت أسبابها في زمن المليشيا الحوثية، أنصتوا لمهزلة العدالة المقلوبة التي تدرس حالياً في جامعات الفساد الكهنوتي! فبائع قات بسيط وجد نفسه خلف القضبان المظلمة، لا لشيء إلا لأنه تجرأ وأدان "قائداً حوثياً" التهم عشرين مليون ريال قيمة نبتة "المقيل"، ورفض الدفع بكل صلافة؛ فكان السجن جزاء المشتكي، والحرية المطلقة لصاحب الكرش والمكوس! أليس إنصافاً مذهلاً أن يُكافأ السارق ويُعاقب البريء؟
وما خفي كان أعظم، إذ تتفنن ذات المليشيا في حفر الأنفاق وتلغيم الأرض لتتحول الحقول والممرات إلى مصائد موت مجاني تترصد أقدام وأيادي الأطفال والنساء الأبرياء، فيخرج الضحايا بلا أطراف، بينما يرتع زارع الموت طليقاً دون حسيب أو رقيب، غير مبالٍ بدموع الأمهات ولا بأنين الثكالى، طالما أن الضحية مجرد مواطن مسكين لا يعنيهم أمره! ويطالعنا في المشهد ذاته "قناص" محترف يمارس هوايته الدموية بحق الصغار والكبار، يحصد الأرواح بالجملة كمن يجني محصولاً موسمياً، بينما تقف دفاعات الشرعية متفرجة في صمت مطبق تكتفي بالدفاع ولا تهاجم من يزرع الحتف أو يغتال الطفولة بلا وازع من دين أو ضمير.
ولم تسلم التجارة ولا التجار من هذا المخاض العجيب؛ فالتاجر يشقى، يربح، أو يخسر، لكنه ملزم حتماً بدفع "الخمس" وإتاوات "المولد النبوي" و"المجهود الحربي"، وإلا تحول بقدرة قادر إلى "عميل خائن من الدرجة الأولى"! ومع كل هذه المآسي، لا يجرؤ كائن من كان على مؤازرة المظلوم أو زجر أولئك اللصوص المتنطعين.
حقاً، إنها أمور مثيرة يندى لها الجبين، لا تمت للإسلام بصلة ولا يقبلها عقل بشري، لكنها في قاموس الحوثي عين الحكمة والمصلحة العليا!
بائع القات السجين: "عشرين مليوناً من النبتة.. وثمنها سنوات في زنزانة الظلم!"
يقول المعني بمرارة يقطر منها السخرية السوداء: "كنت أعتقد أن بيع القات يقتصر على المزاج والزبائن، فإذا بي أكتشف أنه يقود إلى غياهب السجون لمجرد أنني طالبت بقائدي الحوثي العظيم أن يسدد فاتورة العشرين مليوناً! القائد يتناول القات بمزاجه العالي، وأنا أتناول قهر الحديد والنحاس في معتقلاتهم المظلمة.
العجيب أن القائد الحوثي يمرح في الشوارع بسيارته الفارهة يوزع الوعود الإلهية، بينما أنا أجلس في زنزانتي أحسب أوراق القات التي أكلها الدهر وشرب لقد أثبتت المليشيا أن دينهم الوحيد هو ابتلاع أموال الناس بالباطل، وأن من يطالب بحقه هو المجرم الفعلي الذي يهدد أمن ومسيرة الوطن!"
ضحية لغم حوثي: "فقدت قدمي.. فكافأوني بتهمة إزعاج النافذين!"
يروي الناجي المتحسر بصوت يشوبه الألم الساخر: "كنت أسير في طريقي الاعتيادي، فإذا بلغم أرضي زرعه أبطال المسيرة يقتطع قدمي بكل مهنية واحتراف! ذهبت لأبحث عن عدالة تنصفني، فوجدت زارع الألغام يترقى في منصبه ويستعرض بطولاته الوهمية عبر شاشاتهم، بينما أصبحت أنا متهماً بتعطيل جهادهم المبارك لأن جسدي اعترض طريق ألغامهم الميمونة ،يقال لنا اصبروا واحتسبوا، وكأن الأطراف المبتورة تزرع كالخضار في أسواق صعدة ، لا ملاحقة ولا تعويض، بل إنهم ينظرون إلينا كعوائق في طريق مسيرتهم نحو المجهول والموت المحتم!"
أم طفل استهدفه قناص حوثي: "قناصهم يؤدي واقعه الإنساني.. وابني كان الخطأ المطبعي!"
تقول الأم المكلومة بتهكم موجع: "ابن لم يتجاوز ربيعه العاشر، كان يلهو بكرة قدم مهترئة، فجاءته رصاصة قناص حوثي متمرس لتخترق صدره بكل رقة ونعومة! ذهبت لأشتكي لقادة المجموعات، فقيل لي بوجه بارد إن القناص كان يتدرب على أهداف متحركة وإن دم ابني فداء للمشروع القرآني العظيم! القناص يمارس هوايته اليومية بكل حرية، يتناول إفطاره على أطلال الضحايا، وينتظر وسام الشجاعة في قتل الأبرياء، بينما أنا مطالبة بالصمت والزغاريد لئلا يُكتب اسمي في قائمة الخونة والعملاء!"
تاجر محلي مثقل بالإتاوات: "نعمل ليل نهار.. لنمول مخلفاتهم ونأكل طين الحرمان!"
يشكو التاجر المفلس بمرارة ساخرة: "نفتح محلاتنا كل صباح ونحن ندرك تماماً أننا لسنا سوى موظفين مسخرين لدى خزائن المليشيا! نربح قليلاً ليأخذوا نصفه تحت مسمى الخمس، ونخسر كثيراً فيطالبوننا بمضاعفة الدعم لصالح المولد النبوي والمجهود الحربي، وإذا تجرأ أحدنا على التذمر، يأتيه الرد الجاهز في ثوانٍ معدودة: أنت عميل خائن وتستحق المصادرة! أصبحت التجارة في زمن الحوثي أشبه بعمليات الانتحار البطيء، حيث البائع غارم، والمشتري معدم، واللص هو الحاكم بأمره في كل شاردة وواردة."
مواطن شاهد عيان على عبث الأنفاق: "يحفرون تحت بيوتنا.. لنصبح في قاع الجحيم وهم في القصور!"
يعبر الشاهد الساخر عن حال الشارع قائلاً: "تراهم ليل نهار يحفرون الأنفاق والخنادق تحت أساسات منازلنا، وكأنهم يعيدون تأسيس مملكة سبأ تحت الأرض! وإذا انهار منزل على رؤوس ساكنيه من الأطفال والنساء، يخرج المسؤول الحوثي ليصرح بأن هذا الانهيار ناتج عن مؤامرة استعمارية كونية. أما زارعو الأنفاق فيكرمون بولائم اللحوم والقات الفاخر لأنهم أنجزوا حصناً جديداً يحميهم من غضب الشعب. نحن نسكن فوق المقابر المعلقة، وهم يعيشون في القصور الفارهة، وتلك هي القسمة الضيزى التي لا مفر منها!"
عسكري متقاعد من أبناء المنطقة: "جيش الشرعية يدافع بلا هجوم.. ومليشيا الحوثي تعيث فساداً بلا رقيب!"
يختتم العسكري المخضرم تحليله بمرارة: "نعيش مهزلة عسكرية غير مسبوقة في تاريخ البشرية؛ دفاعات جيش الشرعية تقف في خنادقها صامتة لا تهاجم من يزرع الألغام ولا من يقنص الأبرياء، وكأن دورها اقتصر على تسجيل أعداد الضحايا وإرسال برقيات العزاء الباهتة!
المليشيا الحوثية تهاجم وتدمر وتنهب على مدار الساعة، ودفاعاتنا تكتفي بالقول 'سلامات يا حجي' لمن فقد ابنه أو قدمه. هكذا تدير الشرعية معركتها بالريموت كنترول، وهكذا تواصل المليشيا إمبراطورية اللصوصية والقتل دون أن يرمش لها جفن!"
الختام:
في ديار مليشيا الحوثي والسلطة الغفلة، تدار الأمور بمنطق الخرافة والبلطجة الساخرة! فهنيئاً لمن باع قاته وسُجن جزاءً وفاقاً، وهنيئاً لكل زارع ألغام وقناص محترف ينال صك الغفران والحرية المطلقة! وسلام مربع لكل تاجر يدفع الخمس صاغراً لتمويل بطولات اللصوص، وسلام أكبر لجيش نائم في العسل يكتفي بفرك كفيه وترديد عبارة 'سلامات ياحجي' بينما الدماء تسيل طهراً على أرصفة العبث.
عش رجباً تر عجباً في مملكة اللاعقل واللاعدالة، حيث الحوثي وحده يامر وينهي، والشعب المسكين يصفق بحرارة لجلاده في مهرجانات الوهم والخراب المبين!