قالت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن، إنها لن تقبل باستمرار ما وصفته بنهج الابتزاز والتهديد والوعيد من جانب جماعة الحوثي، مؤكدة رفضها مصادرة قرار الحرب والسلام أو فرض إيقاع المرحلة على اليمنيين والأمن والسلم الإقليمي والدولي.
وجاء ذلك في بيان ألقاه مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، خلال جلسة مفتوحة لمجلس الأمن بشأن الحالة في الشرق الأوسط واليمن.
وقالت الحكومة إن استقرار اليمن يمثل ضمانة أساسية لأمن واستقرار المنطقة والعالم، ولأمن الملاحة الدولية والتجارة العالمية وحماية سلاسل الإمداد والحد من الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
وأكدت أن تحقيق السلام في اليمن يتطلب عملية سياسية تستند إلى خطوات جريئة، بحيث لا يكون لأي جماعة مستقبل في منازعة الدولة سلطاتها الحصرية أو الاحتفاظ بالسلاح خارج مؤسساتها، أو الادعاء بامتلاك حق سياسي أو إلهي أو ديني أو سلالي يتجاوز إرادة اليمنيين وسيادة القانون.
وأضافت أن يد الدولة ستظل ممدودة لكل مسعى صادق يفضي إلى سلام حقيقي وعادل ومستدام ينهي الانقلاب ويعيد مؤسسات الدولة ويصون كرامة اليمنيين ويحقق الأمن والاستقرار.
وجددت الحكومة التزام مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بخيار السلام والتعاطي الإيجابي مع المبادرات والجهود الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب وتخفيف معاناة اليمنيين، لكنها شددت على أن السلام المنشود يجب أن يعالج جذور الأزمة وينهي أسباب الحرب ويعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها ويحمي الحقوق والحريات والمواطنة المتساوية وسيادة القانون.
وأكدت أن السلام يجب أن يضمن احتكار الدولة للسلاح ووسائل القوة المشروعة، ويحترم سيادة الجمهورية اليمنية وأمن دول الجوار والممرات البحرية الدولية، محذرة من سلام يمنح الحوثيين فرصة لإعادة إنتاج أنفسهم والاستعداد لجولة جديدة من الصراع.
وقال السعدي أمام المجلس: "نجتمع اليوم في لحظة دقيقة ومفصلية من تاريخ اليمن، بعد أسابيع شهدت سلسلة متسارعة وخطيرة من أعمال التصعيد التي شنتها الميليشيات الحوثية الإرهابية التي تهدد بإعادة اليمن الى دوامة العنف، وتقويض فرص السلام التي استثمرت فيها الحكومة اليمنية والأمم المتحدة وهذا المجلس الموقر والأشقاء والأصدقاء على مدى سنوات".
وأضاف: " على مدى أكثر من عقد، دفع الشعب اليمني ثمناً باهظاً لهذه الحرب التي شنتها المليشيات الحوثية الارهابية على الدولة والشعب اليمني. وقد اثبتت الاحداث، وبما لا يدع مجالاً للشك، ان هذا الوضع المأساوي لم يكن قدراً محتوماً، وإنما نتيجة مباشرة لانقلاب مليشيات ارهابية اختارت الفوضى والحرب على استقرار الدولة، والطائفية على المواطنة المتساوية، واختارت الارتهان لأجندة النظام الإيراني على حساب مصالح الشعب اليمني وتطلعاته في الأمن والاستقرار والعيش الكريم، ولم تقدم هذه المليشيات لليمنيين سوى الدمار والانقسام، وتقويض مؤسسات الدولة واستهداف الاقتصاد الوطني، وتجنيد آلاف الأطفال، ونهب الموارد والمساعدات، والاحتجاز التعسفي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان".
وأشار إلى أن التصعيد الحوثي شمل، بحسب الحكومة اليمنية، محاولات فرض جسر جوي بين صنعاء وطهران لنقل خبراء وأسلحة عبر طيران "ماهان" التابع للحرس الثوري الإيراني والمصنف على لائحة العقوبات، إضافة إلى استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والأعيان المدنية في السعودية، ومواقع القوات المسلحة والأعيان المدنية ومخيمات النازحين، إلى جانب استهداف ميناء المخا ومنشآت مدنية حيوية.
وقال إن الهجوم الذي وقع يوم الثلاثاء على السفينة اليمنية "تهامة"، المرتبطة بحركة التجارة والإمدادات الغذائية للشعب اليمني، أسفر عن مقتل أربعة من أفراد طاقمها، بينهم ثلاثة باكستانيين وبحار إندونيسي، وإصابة أربعة آخرين، فضلاً عن اندلاع حريق وأضرار مادية بالسفينة.
وأضاف أن الحوثيين عاودوا استهداف السفينة بصاروخ آخر أثناء وصول فرق الإنقاذ لإجلاء الطاقم والمصابين، ما أدى إلى إصابة أحد أفراد فريق الإنقاذ، معتبراً ذلك اعتداءً متعمداً على مهمة إنسانية.
وقال السعدي إن بقاء قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة النوعية خارج سلطة الدولة ومؤسساتها يمثل خطراً على اليمن والمنطقة والممرات البحرية الدولية.
ورحبت الحكومة اليمنية ببيان مجلس الأمن بشأن اليمن، وما تضمنه من إدانة للرحلات الجوية الإيرانية غير المصرح بها إلى مطاري صنعاء والحديدة، وإدانة الاعتداءات الحوثية على الأعيان المدنية في السعودية والهجمات التي تستهدف السفن التجارية، إلى جانب تجديد الالتزام بسيادة الجمهورية اليمنية واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها.
ودعت الحكومة مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى الانتقال من الإدانة إلى التنفيذ الفاعل لقرارات المجلس، وفي مقدمتها القرارين 2140 و2216، وتعزيز آليات منع تهريب الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية والخبرات إلى الحوثيين ومساءلة الجهات التي تنتهك نظام الجزاءات.
وقال السعدي: "إن استمرار امتلاك وتدفق هذه الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات العسكرية إلى المليشيات الحوثية، لا يتوافق مع متطلبات السلام المستدام، ويشكل تهديداً دائماً لليمن ولدول الجوار والممرات البحرية الدولية، الأمر الذي يتطلّب الانتقال من مجرد إدانة التهديد إلى معالجة مصادره وأدواته، وان قراءة سلوك المليشيات الحوثية خلال السنوات الماضية من حربها تكشف نمطاً ثابتاً يقوم على الهروب من استحقاقات السلام عبر افتعال الازمات والمواجهات الخارجية، ومحاولة نقل بوصلة الصراع بعيدا عن جوهر القضية اليمنية".
وأضاف: " لم يعد اليوم يقتصر هذا النهج على التهرب من الاستحقاقات الوطنية، بل أصبح وسيلة دائمة لابتزاز المجتمع الاقليمي والدولي وخلق أزمات متلاحقة بغرض كسب الوقت وفرض وقائع جديدة على الارض بالقوة، لكن هذه المحاولات لن تغير حقيقة ان السلام في اليمن يتطلب معالجة جذور الصراع وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة والانصياع لإرادة اليمنيين ومرجعيات الحل السياسي المتفق عليها لإنهاء هذا الصراع".
وفي الجانب الاقتصادي، قالت الحكومة إنها تواصل تنفيذ برنامج للإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية، والعمل على تحسين كفاءة المؤسسات العامة وتعزيز الشفافية وتنمية الموارد ومعالجة الاختلالات وتحسين البيئة الاستثمارية، بالتوازي مع توحيد القرار الأمني والعسكري وتمكين مؤسسات الدولة من أداء مسؤولياتها في مختلف المحافظات.
كما أكدت أنها تعمل على استئناف تصدير النفط واستعادة الموارد السيادية للدولة وتوجيهها لخدمة اليمنيين، وفي مقدمة ذلك الوفاء بالتزامات الدولة وصرف الرواتب وتحسين الخدمات ودعم الاستقرار الاقتصادي.
وأشاد السعدي بالدعم السعودي للحكومة اليمنية، قائلاً: "ما كان لمؤسسات الدولة ان تحافظ على صمودها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الحتمية لولا المواقف الاخوية الصادقة للمملكة العربية السعودية الشقيقة ودعمها السياسي والاقتصادي والإنساني المتواصل الذي أسهم في الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة والتخفيف من معاناة الشعب اليمني وتنفيذ وتمويل المشاريع الحيوية وتعزيز فرص التعافي على كافة المستويات".
ودعت الحكومة شركاء اليمن في التنمية والمنظمات والصناديق المانحة إلى تقديم دعم عاجل ومستدام للمساعدة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتعزيز فرص التعافي والتخفيف من المعاناة الإنسانية.
وفي ملف الأسرى والمحتجزين، قال السعدي: "أبدت الحكومة اليمنية كل الحرص والتعاون لإنجاح الاتفاق الذي تم التوصل إليه برعاية الأمم المتحدة للإفراج عن أكثر من 1,600 من الأسرى والمحتجزين، باعتباره خطوة إنسانية مهمة وإجراءً لبناء الثقة كان من شأنه أن يخفف معاناة آلاف الأسر اليمنية ويفتح نافذة للتقدم نحو السلام، إلا أن المليشيات الحوثية تنصلت من التزاماتها وأفشلت تنفيذ هذا الاتفاق، في امتداد لنهجها في تسييس الملفات الإنسانية واستخدامها أداة للمساومة والابتزاز".
ودعا مجلس الأمن إلى ممارسة ضغط لضمان تنفيذ اتفاق الإفراج عن الأسرى والمحتجزين، والإفراج الفوري والآمن وغير المشروط عن موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني وغيرهم ممن قال إنهم محتجزون تعسفياً.
وفي ختام كلمته، نقل السعدي عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قوله: "ظل أصدقاؤنا يطلبون منا طوال السنوات الماضية أن نعطي للسلام فرصة، وقد فعلنا ذلك بكل مسؤولية وربما أكثر مما كان متوقعا حرصاً منا على دماء اليمنيين واليوم، نطلب من أصدقائنا ومن هذا المجلس أن يعطوا الدولة فرصة أيضاً".
وقال السعدي: " نحن لا نطلب من هذا المجلس مجرد التضامن مع الحكومة اليمنية، بل نطلب منه الدفاع عن مبادئ تخص النظام الدولي بأسره: حماية المدنيين، واحترام سيادة الدول، وحرمة المنشآت المدنية والموانئ التجارية، وحماية حرية الملاحة، ورفض استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لفرض مكاسب سياسية واقتصادية بالقوة. وسيظل خيارنا هو السلام العادل والمستدام الذي يعيد مؤسسات الدولة، ويصون كرامة اليمنيين، ويحقق الأمن والاستقرار لليمن والمنطقة".