في وقت يعاني فيه الاف الموظفين الحكوميين في اليمن من انقطاع الرواتب وتدهور غير مسبوق في ظروفهم المعيشية، تتكشف يوماً بعد يوم أرقام صادمة ومذهلة تعكس حجم الهوة بين واقع الشارع المأساوي وحياة البذخ التي يعيشها من يصفون أنفسهم بـ "الشرعية". تسلط كشوفات الإعاشة والرواتب المخصصة لطبقة المسؤولين وأقاربهم الضوء على نموذج صارخ لاستنزاف المال العام، تحت غطاء المناصب الوهمية والمستشارين والبعثات الدبلوماسية.
مفارقة الأرقام: ملايين الدولارات لطبقة الفنادق وصناديق فارغة للنازحين
تُظهر البيانات المسربة لرواتب وإعاشات مسؤولي الصف الأول وذويهم أرقاماً فلكية بالعملة الصعبة (الدولار الأمريكي)، تتجاوز بكثير أي معايير إدارية أو اقتصادية منطقية في ظل دولة تعاني من شلل تام وانهيار اقتصادي.
رواتب فلكية لعائلات ومقربين: لا تقتصر الرواتب على المسؤولين أنفسهم، بل تمتد لتشمل الأبناء والزوجات والأقارب من الدرجة الأولى والثانية، بمسميات مثل "وكيل وزارة"، "سفير في أوروبا"، "مستشار"، أو حتى درجات خاصة داخل المكاتب الوزارية والسفارات الخارجية.
إجمالي النفقات الشهرية والسنوية: يبلغ إجمالي المبالغ المرصودة في العينة المذكورة وحدها نحو 4,895,000 دولار شهرياً. وعند ضرب هذا الرقم في 12 شهراً، يصل الإجمالي السنوي إلى نحو 58,740,000 دولار سنوياً تصرف بانتظام لعدد محدود جداً من الأفراد.
المقارنة المؤلمة مع الموظفين البسيطين: في المقابل، يتقاضى الآلاف من الموظفين الحكوميين والموظفين النازحين مبالغ ضئيلة ومتفاوتة لا تكفي رمق العيش، فضلاً عن انقطاعها لأشهر طويلة، لتصبح المفارقة واضحة: أقل من مئة شخص يستنزفون ما يقارب ستين مليون دولار سنوياً، بينما تُترك الكوادر الحقيقية تواجه شبح الجوع.
آليات الفساد المؤسسي: استنساخ المناصب وتوريث الوظيفة العامة
يكشف فحص الكشوفات عن نمط ممنهج لتحويل الوظيفة العامة ومقدرات الدولة إلى ملكية خاصة، ويبرز ذلك جلياً من خلال عدة ظواهر:
العائلية والمحسوبية: استحواذ عائلات معينة على نصيب الأسد من الوظائف القيادية والعليا في الخارج والداخل، حيث يحصل رئيس السلطة وأبناؤه وأقاربه على مخصصات شهرية خيالية، يتلوهم رؤساء البرلمان والشورى وقيادات الأحزاب وأقرباؤهم.
الوهم والمسميات الفضفاضة: ابتداع مسميات وظيفية مستحدثة وغير مبررة (مثل "درجة وزير في مكتب والده"، أو "وكيل وزارة" لأشخاص لا يملكون أي مهام فعلية) بهدف شرعنة نهب المال العام وتمرير المخصصات المالية المنتظمة بالدولار.
تفريغ المؤسسات الرقابية: عندما تصبح الشخصيات المنوط بها الرقابة والمساءلة جزءاً من منظومة التوظيف والمصالح الضيقة، يفقد الجهاز الإداري للدولة أي مناعة ضد الفساد المالي والإداري.
وهنا ننشر كشف بأسماء المستفيدين من كشف الإعاشة وهذا الكشف متداول منذ فترة وليس هناك أي تكذيب لذلك .. تحتفظ صحيفة المنتصف بكشف الاسماء و الارقام.
الخاتمة
إن المرآة الحقيقية لبشاعة هذا الفساد المالي المستشري تظهر بوضوح في وجوه الموظفين النازحين والكوادر البسيطة الذين يعيشون في قاع المأساة، ويكابدون مرارة القهر والاحتياج في ظل ظروف معيشية قاسية تزداد ضراوة يوماً بعد يوم.
فهؤلاء الموظفون الذين افترشوا أرصفة التجاهل وتركوا خلفهم ديارهم وممتلكاتهم بحثاً عن الحد الأدنى من الأمان الوظيفي، يواجهون اليوم تعسفاً غير مسبوق يتمثل في حرمانهم التام من أبسط حقوقهم ومستحقاتهم المشروعة، والتلاعب المتعمد بصرف مرتباتهم الشحيحة أصلاً.
ولعل ما يزيد الطين بلة ويضاعف من حجم المعاناة الإنسانية هو التأخير المستمر والمتعمد في صرف هذه المرتبات لتصل أحياناً إلى ثمانية أشهر متواصلة من العام الحالي 2026، مما يدفع بآلاف الأسر نحو حافة المجاعة والعوز الكامل دون أن تهتز شعرة واحدة لدى مسؤولي الصفقات والامتيازات.
إن هذا الاستهتار بحياة المواطنين الأبرياء يعكس انعداماً تاماً للمسؤولية الأخلاقية والوطنية، ويؤكد أن معاناة النازحين ليست سوى ورقة أخرى تُستغل لتبرير العبث المالي المستمر، بينما تنفق الملايين بسخاء على حيتان الفساد وعائلاتهم في الخارج.
وأمام هذا السقوط الأخلاقي والمعيشي المروع، يبقى السؤال المعلق برسم الضمير الإنساني والوطني: إلى متى سيبقى المواطن اليمني والموظف البسيط ضحيةً لفاتورة هذا البذخ اللعين، ومتى تنتهي هذه المهزلة التي جعلت من لقمة عيش الكادحين ثمناً لرغبات طبقة تعيش على أنقاض الوطن وأوجاع أبنائه؟