مقالات

الوزير عليوه: كلمة حقّ ووفاء!

بوست 24 23/08/2026 16:58 294 مشاهدة
الوزير عليوه: كلمة حقّ ووفاء!

أخذتُ أُقلّب في كَوْمٍ من أوراق قديمة، وملفِّ معاملةٍ طويلٍ لأجل إعادة راتب شهري وانتداب، ثم النقل التام من الدفاع إلى وزارة الإدارة المحلية . وبينما كنت غارقًا في ذلك الوجع، برز اسمُ إنسانٍ رائع كشمعةٍ أضاءت ذاك البؤس والسواد والجفاء الذي ساد سنوات ما بعد حرب صيف ١٩٩٤م؛ ففي زمنٍ تتشابه فيه الوجوه وتتبدّل فيه المواقف، يبقى الرجل الذي يفي بلا مقابل نادرًا كضوء فجرٍ في ليلٍ طويل .

إنه اللواء عبد الله علي عليوه، ابن شبوة الأصيل، رئيس هيئة الأركان العامة عام ١٩٩٨م، ثم وزير الدفاع في مرحلةٍ تالية . خلال تقلّده المنصبين صنع لي معروفًا لا أنساه، لا سيما في تلك الفترة التي شعرنا فيها بغربةٍ مريرةٍ وقسوةٍ وشتاتٍ وضياع.

تساءلتُ مرارًا: ماذا لو أن الرئيس الأسبق كان لديه نسخٌ تضاهي القائد عليوه؟! ربما كان قد استغنى عن كل محاولاته لإصلاح الحالة الجنوبية بعد خراب مالطا. فالرجل الواحد قد يصنع من العدل ما تعجز عنه جيوش المصالح، وقد يضيء من الضمير ما لا تضيئه آلاف القرارات .

لم ألتقِ بالوزير عليوه وجهًا لوجهٍ أبدًا؛ فحتى حين زار الضالع والتقى القادة العسكريين الساخطين في قاعة سينما النصر، لم يسعفني الحظُّ كي ألتقي به. لكنني علمتُ من رفاقٍ قابلوه أنه كان شهمًا نبيلًا في حديثه وتصرّفه، على عكس وزراء آخرين تركوا انطباعًا سيئًا للغاية. فالرجالُ تعرفهم من أفعالهم قبل أن ترى وجوههم، وتثق بهم كأنما عاشرتهم العمر كله.

الجميل في هذا القائد العسكري أنه لا يخذل أحدًا، وكل من يقصده لا يتردد في إنصافه. لقد خطّ توجيهاتٍ بكل مذكرة وصلت إليه بشأن إعادة صرف راتبي ونقلي من الدفاع إلى محافظة الضالع . فلم يكن رعديدًا كغيره من الأسماء الكبيرة والشهيرة التي عجزت عن كتابة كلمة حقٍّ بحق موظفٍ عامٍّ لاقى ما لاقاه من التنكيل والعبث والحرمان ، وفي زمنٍ صار فيه التوقيع سلعةً والوساطةُ بابًا، وكلمةُ حقٍّ عصية .

نعم، لم ألتقِ به يومًا، لكنه لم يخذلني لحظة. كما لم يسأل ولم يخف من سطوة وجبروت ذاك القائد الذي كان لا ينطق إلا باسم الرئيس القائد الأعلى . فما من مخاطبة رُفعت إليه في الوزارة أو في اجتماعات مجلس الوزراء بوساطة الفقيد الراحل الأستاذ حسن صالح الصبحي، رحمة الله تغشاه، إلا وامتشق قلمه ووجّه وأمر، دونما أيِّ اعتبارٍ لسطوة ذاك القائد أو حساباتٍ ضيقة.

السلطة والمال تكشفان لك معادن البشر؛ فكثيرًا ما تكون السطوة والنفوذ فاضحةً لكل دنيءٍ ووضيعٍ وجبان، وقليلًا نادرًا ما ينال هذه الحظوةَ والمكانةَ رجلٌ مثل عليوه، الرجلُ النبيلُ الشجاعُ الأصيلُ.

حقيقةً، لا أعلم كيف حاله ولا أين صار في زمن الحرب.. كل ما أردتُه الآن أن أشكره وأثني على فعله الجميل، وأن أوفيه شيئًا من حقه، متمنيًا له الخير والعافية وراحة البال، لعل الأيام لا تعيد الرجال، لكنها تُبقي أثرهم شاهدًا على أن الشرف لم يكن يومًا منصبًا، وإنما كان موقفًا .. 

محمد علي محسن